ومن هنا نعلم أية جناية نجنيها على أبنائنا وبناتنا حين نزجّ بهم إلى الحياة في جو هذه التربية الفاسدة المليئة بالأخطاء والمعاملة القاسية.
فيكف نرجو من الأولاد طاعة وبرًا،وتوقيرًا واحترامًا،واتزانًا واستقامة..ونحن قد غرسنا في نفوسهم وهم صغار بذور هذا الانحراف أو العقوق أو التمرد..؟!
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو إليه عقوق ابنه،فأحضر عمر الولد وأنّبه على عقوقه لأبيه،ونسيانه لحقوقه عليه،فقال الولد:يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال عمر:بلى! قال:فما هي يا أمير المؤمنين؟
قال عمر:أن ينتقي أمه،ويحسّن اسمه،ويعلمه الكتاب (القرآن) .
قال الولد:يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك،أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي..،وقد سماني جُعَلًا (أي خنفساء) ،ولم يعلّمني من الكتاب حرفًا واحدًا.
فالتفت عمر إلى الرجل،وقال له:جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عَقَقْتَه قبل أن يعُفّك،وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك. [1]
ومن طرائف ما ذُكر أن أبًا عيّر ولده بأمه،وقال له:أتخالفني وأنت ابن أمَة؟ فقال الولد لأبيه إن أمي والله خير منك يا أبي!!..قال الأب:لِمَ؟
قال الولد:لأنها أحسنت الاختيار فولدتني من حر،وأنت أسأت الاختيار فولدتني من أمَة!!..
ونحن لا نشك أن الكلمات النابية القبيحة التي تنزلق من الأب للولد لم تصدر إلا من غاية تأديبية إصلاحية..لذنب كبير أو صغير وقع فيه وبدر منه!!.
ولكن المعالجة لارتكاب هذا الذنب لا تصلح بهذه الحالة الغضبية،والطريقة التعنيفية..التي تترك آثارًا خطيرة في نفسية الولد وسلوكه الشخصي..وبالتالي تجعل منه إنسانًا يتطبع على لغة السبّ والشتائم،ويتخلق بأخلاق المنحرفين الحمقى..ونكون بهذه المعاملة القاسية قد
(1) - تنبيه الغافلين، الإصدار 2 - (1 / 19)