ودخل المأمون يومًا بيت الديوان،فرأى غلامًا جميلًا على أذنه قلم،فقال:من أنت يا غلام؟ قال:أنا الناشئ في دولتك،والمتقلب في نعمتك،والمؤمل لخدمتك،الحسن بن رجاء؛قال المأمون:بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول،ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته [1] .
وحكي أن البادية قحطت في أيام هشام،فقدمت عليه العرب،فهابوا أن يكلموه،وكان فيهم درواس بن حبيب،وهو ابن ست عشرة سنة،له ذؤابة،وعليه شملتان،فوقعت عليه عين هشام،فقال لحاجبه:ما شاء أحد أن يدخل علي إلا دخل حتى الصبيان،فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقًا فقال:يا أمير المؤمنين إن للكلام نشرًا وطيًا،وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره،فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته،فأعجبه كلامه،وقال له:أنشره لله درك،فقال:يا أمير المؤمنين إنه أصابتنا سنون ثلاث سنة أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم،وسنة دقت العظم،وفي أيديكم فضول مال،فإن كانت لله ففرقوها على عباده،وإن كانت لهم،فعلام تحبسونها عنهم،وإن كانت لكم،فتصدقوا بها عليهم،فإن الله يجزي المتصدقين،فقال هشام:ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذرًا،فأمر للبوادي بمائة ألف دينار،وله بمائة ألف درهم،ثم قال له:ألك حاجة؟ قال:ما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين،فخرج من عنده وهو من أجل القوم. [2]
فيؤخذ من هذه الأمثلة التي سردناها أن أبناء السلف كانوا يتربون على التحرر التام من ظاهرة الخجل،ومن بوادر الانكماش والانطوائية،وذلك بسبب تعويدهم على الجرأة،ومصاحبة الآباء لهم حضور المجالس العامة،وزيارة الأصدقاء،ثم بالتالي تشجيعهم على التحدث أمام الكبار،ثم دفع ذوي النباهة والفصاحة منهم لمخاطبة الخلفاء والأمراء،ثم استشارتهم في القضايا العامة،والمسائل العلمية في مجمع من المفكرين والعلماء.
وهذا كله مما ينمّي في الأولاد الجراءة الأدبية ويغرس في نفوسهم أنبل معاني الفهم والوعي،ويهيب بهم في أن يتدرجوا في مدارج الكمال وتكوين الشخصية،والنضج الفكري والاجتماعي..
(1) - العقد الفريد - (1 / 132)
(2) - المستطرف في كل فن مستظرف - (1 / 46)