أَزْوَاجَهُ،فَقُلْتُ:رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ،ثُمَّ أَخَذْتُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ،حَتَّى جِئْتُ،فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ،وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ،فَقُلْتُ:هَذَا عُمَرُ،فَأَذِنْ لِي قَالَ عُمَرُ:فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْحَدِيثَ،فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَإِنَّهُ عَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ آدَمَ حَشْوُهَا لِيفٌ،وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوغَا،وَعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُبًا مُعَلَّقَةً،فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَبَكَيْتُ فَقَالَ:"مَا يُبْكِيكُ ؟"،فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ،وَإِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:"أَمَا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ ؟" [1]
ولما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز،أتته الوفود،فإذا فيهم وفد الحجاز،فنظر إلى صبي صغير السن،وقد أراد أن يتكلم فقال:ليتكلم من هو أسن منك،فإنه أحق بالكلام منك،فقال الصبي:يا أمير المؤمنين لو كان القول كما تقول لكان في مجلسك هذا من هو أحق به منك،قال:صدقت،فتكلم،فقال:يا أمير المؤمنين،إنا قدمنا عليك من بلد تحمد الله الذي من علينا بك،ما قدمنا عليك رغبة منا ولا رهبة منك،أما عدم الرغبة،فقد أمنا بك في منازلنا،وأما عدم الرهبة،فقد أمنا جورك بعدلك،فنحن وفد الشكر والسلام.فقال له عمر رضى الله عنه:عظني يا غلام.فقال:يا أمير المؤمنين إن أناسًا غرهم حلم الله وثناء الناس عليهم،فلا تكن ممن يغره حلم الله وثناء الناس عليه،فتزل قدمك وتكون من الذين قال الله فيهم: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} (21) سورة الأنفال.فنظر عمر في سن الغلام فإذا له اثنتا عشرة سنة،فأنشدهم عمر رضي الله تعالى عنه:
تعلم فليسَ المرءُ يولدُ عالمًا وَلَيْسَ أخو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
وإنَّ كَبِير الْقَوْمِ لاَ علْمَ عِنْدَهُ صَغيرٌ إذا الْتَفَّتْ عَلَيهِ الْجَحَافِلُ
وإنَّ صَغيرَ القَومِ إنْ كانَ عَالِمًا كَبيرٌ إذَا رُدَّتْ إليهِ المحَافِلُ [2]
(1) - مُسْتَخْرَجُ أَبِي عَوَانَةَ (3709 ) صحيح
(2) - صور من ابتلاء العلماء مفهرس - (1 / 7) والمستطرف في كل فن مستظرف - (1 / 45)