يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى بِاللَّعْنَةِ الذِينَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ إِلى النَّاسِ فِي كُتُبِهِ مِنَ الدِّينِ الصَّحِيحِ،وَالهُدَى النَّافِعِ،وَيَقْصُدُ بِهِمْ أَهْلَ الكِتَابِ،الذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ النَّبِيِّ التِي وَرَدَتْ في كُتُبِهِمْ،وَمَا بَشَّرَتْ بِهِ هذِهِ الكُتُبُ مِنْ قُربِ مَبْعَثِ نَبِيٍّ عَرَبيٍّ،يُؤْمِنُ بِاللهِ،وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنينَ .فَهؤُلاءِ الذِينَ يَكْتُمُونَ دِينَ اللهِ وَأَوامِرَهُ عَنِ النَّاسِ لِيُضِلُّوهُمْ،وَيَصْرِفُوهُمْ عَنِ الحَقِّ،فَإِنَّ الله يَلعَنُهُمُ،وَتَلْعَنُهُمُ المَلاَئِكَةُ والمُؤْمِنُونَ ( الَّلاعِنُونَ ) .
( وحُكْمُ هذِهِ الآيةِ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ كَتَمَ عِلْمًا فَرَضَ اللهُ بَيَانَهُ لِلناسِ،وَلِذلِكَ قَالَ الأَئِمَّةُ:إِنَّ الذِي يَرَى حُرُمَاتِ اللهِ تُنْتَهَكُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ،وَالدِّينَ يُداسُ جَهَارًا بَيْنَ يَدَيهِ،وَالضَّلاَلَ يَغْشَى الهُدَى،ثُمَّ هُوَ لاَ يَنْتَصِرُ لِدِينِ اللهِ يَكُونُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ وَعِيدَ اللهِ ) .
وَيَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالى مِنَ الَّلعْنَةِ الذِينَ تَابُوا وَأَحْسَنُوا العَمَلَ،وَرَجَعُوا عَنْ كِتْمَانِ مَا أَنْزَلَ اللهُ،وَأَظْهَرُوا لِلنَّاسِ مَا عَلِمُوهُ مِنْ أَمْرِ الرَّسُولِ وَالرِّسَالَةِ،وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ يَتَقَبَّلُ تَوْبَتَهُمْ،وَيَعْفُو عَنْهُمْ،وَيَمْحُو ذُنُوبَهُمْ [1] .
ومن ملامح انحراف بعض من يتصدون للإرشاد اليوم أنهم يدّعون العصمة لأنفسهم ويربطون الحق بأشخاصهم الفانية،غير مكترثين بما يحكم الشرع لهم أو عليهم،ظنًا منهم أنهم وصلوا المرتبة التي تنزههم عن الخطأ،والمقام الذي يجنبهم الوقوع في الزلل..فلا يجوز لأحد من الناس أن ينتقدهم إذا أخطأوا،ولا يصح لمريد أن يراجعهم إذا أمروا..لوصولهم إلى مرتبة الحفظ والعصمة..علمًا بأن العصمة خاصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام!..
فهذا الإمام مالك رحمه الله وقف مرة أمام قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال:"ما منا إلا من رَدّ ورُدّ عليه إلا صاحب هذا القبر"،وأشار إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ومن المواقف الخالدة التي كان يقفها العلماء الواعون المخلصون موقف عالم العصر ومرشده الشيخ (سعيد النورسي) التركي،والملقب بـ"بديع الزمان"رحمه الله وأجزل مثوبته،هذا الموقف يتلخص أنه حين أحسَّ ذات مرة أن من بين طلابه ومريديه من يذهب في تقديسه وتعظيمه حدًّا عظيمًا،ويربط معالم الحق بشخصه الفاني،قال لهم موصيًا
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 166)