والرحمن يمسكهن بقدرته القادرة التي لا تكل،وعنايته الحاضرة التي لا تغيب.وهي التي تحفظ هذه النواميس أبدا في عمل وفي تناسق وفي انتظام.فلا تفتر ولا تختل ولا تضطرب غمضة عين إلى ما شاء اللّه: «ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ» ..بهذا التعبير المباشر الذي يشي بيد الرحمن تمسك بكل طائر وبكل جناح،والطائر صاف جناحيه وحين يقبض،وهو معلق في الفضاء! «إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ» ..
يبصره ويراه.ويبصر أمره ويخبره.ومن ثم يهيّئ وينسق،ويعطي القدرة،ويرعى كل شيء في كل لحظة،رعاية الخبير البصير.
وإمساك الطير في الجو كإمساك الدواب على الأرض الطائرة بما عليها في الفضاء.كإمساك سائر الأجرام التي لا يمسكها في مكانها إلا اللّه.ولكن القرآن يأخذ بأبصار القوم وقلوبهم إلى كل مشهد يملكون رؤيته وإدراكه ويلمس قلوبهم بإيحاءاته وإيقاعاته.وإلا فصنعة اللّه كلها إعجاز وكلها إبداع،وكلها إيحاء وكلها إيقاع.وكل قلب وكل جيل يدرك منها ما يطيقه،ويلحظ منها ما يراه.حسب توفيق اللّه. [1]
4)الكون وما فيه من الأجرام السماوية مما ساعد علماء الفلك التوصل إلى أنَّ فضاء الكون تسبح في أجزائه أعداد تفوق الحصر من المجرات قال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (40) سورة يس.
لاَ يَتَأَتَّى لِلشَّمْسِ،وَلاَ يَسْهُلُ عَلَيْهَا ( لاَ يَنْبَغِي لَهَا ) أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ فِي مَسِرَتِهِ،لأَنَّ لِكُلِّ مِنْهُمَا مَسَارًا مُسْتَقِلا،وَهُمَا مَسَارَانِ مُتَبَاعِدَانِ لاَ مَجَالَ لاِلتِقَائِهِمَا،وَلِذَلِكَ فَلاَ مَجَالَ لِلقَوْلِ إِن الليلَ سَابِقٌ لِلنَّهَارِ،أَوْ إِنَّ النَّهَارَ سَابِقٌ لِليلِ،وَكُلِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ وَغَيرِهِمَا يَسْبَحُ فِي الفَضَاءِ فِي فَلَكٍ لاَ يَخْرُجُ عَنْهُ أبدًا . [2]
ولكل نجم أو كوكب فلك،أو مدار،لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه.والمسافات بين النجوم والكواكب مسافات هائلة.فالمسافة بين أرضنا هذه وبين الشمس تقدر بنحو ثلاثة وتسعين مليونا من الأميال.والقمر يبعد عن الأرض بنحو أربعين ومائتي ألف من
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3642)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 3625)