المدرك العاقل المعقد التركيب العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ..هذه المسافة الهائلة التي يعبرها الماء الدافق إلى الإنسان الناطق توحي بأن هنالك يدا خارج ذات الإنسان هي التي تدفع بهذا الشيء المائع الذي لا قوام له ولا إرادة ولا قدرة،في طريق الرحلة الطويلة العجيبة الهائلة،حتى تنتهي به إلى هذه النهاية الماثلة.وتشي بأن هنالك حافظا من أمر اللّه يرعى هذه النطفة المجردة من الشكل والعقل،ومن الإرادة والقدرة،في رحلتها الطويلة العجيبة.وهي تحوي من العجائب أضعاف ما يعرض للإنسان من العجائب من مولده إلى مماته! هذه الخلية الواحدة الملقحة لا تكاد ترى بالمجهر،إذ أن هنالك ملايين منها في الدفقة الواحدة ..هذه الخليقة التي لا قوام لها ولا عقل ولا قدرة ولا إرادة،تبدأ في الحال بمجرد استقرارها في الرحم في عملية بحث عن الغذاء.حيث تزودها اليد الحافظة بخاصية أكالة تحوّل بها جدار الرحم حولها إلى بركة من الدم السائل المعد للغذاء الطازج! وبمجرد اطمئنانها على غذائها تبدأ في عملية جديدة.عملية انقسام مستمرة تنشأ عنها خلايا ..
وتعرف هذه الخليقة الساذجة التي لا قوام لها ولا عقل ولا قدرة ولا إرادة ..تعرف ماذا هي فاعلة وماذا هي تريد ..حيث تزودها اليد الحافظة بالهدى والمعرفة والقدرة والإرادة التي تعرف بها الطريق! إنها مكلفة أن تخصص كل مجموعة من هذه الخلايا الجديدة لبناء ركن من أركان هذه العمارة الهائلة ..عمارة الجسم الإنساني ..
فهذه المجموعة تنطلق لتنشئ الهيكل العظمي.وهذه المجموعة تنطلق لتنشئ الجهاز العضلي.وهذه المجموعة تنطلق لتنشئ الجهاز العصبي.وهذه المجموعة تنطلق لتنشئ الجهاز اللمفاوي ...إلى آخر هذه الأركان الأساسية في العمارة الإنسانية! ..ولكن العمل ليس بمثل هذه البساطة ..إن هنالك تخصصا أدق.فكل عظم من العظام.وكل عضلة من العضلات.وكل عصب من الأعصاب ..لا يشبه الآخر.لأن العمارة دقيقة الصنع،عجيبة التكوين،متنوعة الوظائف ...ومن ثم تتعلم كل مجموعة من الخلايا المنطلقة لبناء ركن من العمارة،أن تتفرق طوائف متخصصة،تقوم كل طائفة منها بنوع معين من العمل في الركن المخصص لها من العمارة الكبيرة! ..إن كل خلية صغيرة تنطلق وهي تعرف طريقها.تعرف إلى أين هي ذاهبة،وماذا هو مطلوب منها! ولا تخطئ واحدة منها طريقها في هذه المتاهة