فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 1489

في موضعه) وهو الصبح وأولتا المغرب والعشاء والجمعة والعيدان

وكان المشركون يسبون من أنزله, ومن أنزل عليه؛ فأنزل الله تعالى:"وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا"الإسراء: (110) . أي طريقا وسطا, فلا تجهر بصلاتك كلها, ولا تخافت بها كلها, بل اجهر في البعض وخافت في البعض. قوله: (في موضعه) أي الجهر, وإذا أسر في موضع الجهر, أو جهر في موضع الإسرار كره إلا لعذر. قوله: (وهو الخ) عبارته تفيد حصر موضع الجهر فيما ذكره, وليس بسديد؛ إذ بقي منه الاستسقاء ولو نهارا, وصلاة خسوف القمر, والتراويح, ووتر رمضان, وركعتا الطواف ليلا, أو وقت الصبح, والعبرة في الفريضة المقضية بوقت القضاء, لا بوقت الأداء, فيجهر في قضاء الظهر مثلا ليلا, ويسر في قضاء العشاء مثلا نهارا, وعلم من ذلك أنه لو أدرك ركعة الصبح في وقتها والأخرى خارجه, جهر في الأولى وأسر في الثانية, نعم يجهر الإمام فيها بالقنوت, قال الأذرعي: ويشبه أن يلحق بالفريضة العيد, فالعبرة فيه بالقضاء لا بالأداء, والمعتمد خلافه, فالعبرة فيه بالأداء لا بالقضاء؛ عملا بقاعدة أن القضاء يحكي الأداء, لكن الفريضة خرجت لدليل, ونظرا لكون الشرع ورد بالجهر في صلاة العيد في محل الإسرار, فلا تصير عما وردت عليه, بل تستصحب كما وردت. قوله: (الصبح) إنما طلب الجهر فيها مع أن الكفار كانوا حين سماعهم القرآن في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يسبون من أنزله, ومن أنزل عليه كما مر؛ لأنهم يكونون في هذا الوقت نائمين؛ ولذلك طلب الجهر في العشاء أيضا, وفي نهارية مقضية ليلا أو وقت الصبح.

وأما المغرب فطلب الجهر فيه لأنهم كانوا يشتغلون في وقته بالعشاء, وأما الجمعة والعيد فلأنه صلى الله عليه وسلم أقامهما بالمدينة, ولم يكن للكفار فيها قوة, ولما كانوا مستعدين للإيذاء في وقتي الظهر والعصر, طلب الإسرار فيهما, بل وفي الليلية المقضية نهارا, وهذا السبب وإن زال لكن الحكم المترتب عليه باق؛ لأنه حكمة المشروعية, والحكمة لا يلزم دوامها. قوله: (وأولتا المغرب والعشاء) أي دون الركعة الثالثة من المغرب, والأخيرتين من العشاء فإنه يسر فيها. فإن قيل: هلا طلب الجهر فيهما؛ لأنهما من الصلاة الليلية؟ أجيب بأن ذلك رحمة لضعفاء الأمة؛ لأن تجلي الله على قلوبهم بالعظمة يزداد شيئًا فشيئا, فيكون في آخر الصلاة أثقل منه في أولها؛ ولذلك خفف في آخرها ما لم يخفف في أولها, كما يفيده كلام الشعراني في الميزان, ولو ترك الجهر في أولتي المغرب والعشاء, لم يتداركه في الباقي؛ لأن السنة فيه الإسرار, ففي الجهر تغيير صفته, بخلاف ما لو ترك السورة في الأولتين يتداركها في الباقي؛ لعدم تغيير صفته. قوله: (والجمعة) بالرفع عطفا على الصبح, لا بالجر عطفا على المغرب, وكذا العيدان إذ ليس لذلك أولتان، ولو ادرك

__ص 322 @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت