لم تكن عن شئ منها ناكلا [1] ، كيف وفؤادك مشهوم، وعودك معجوم [2] ، وغيبك مخبور، والخير منك كثير، والآن قد بلّغ الله بك، وأرهص [3] الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، وعن علم أقول [4] ما تسمع، فارتقب زمانك، وقلّص أردانك، ودع التقعّس والتجسّس لمن لا يظلع لك إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا [5] ، فالأمر غضّ، والنفوس فيها مضّ، وإنك أديم هذه الأمة فلا تحلم لجاجا، وسيفها العضب فلا تنب اعوجاجا، وماؤها العذب فلا تحل أجاجا [6] ، والله لقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر، فقال لى «يا أبا بكر: هو لمن يرغب عنه لا لمن يجاحش عليه، ولمن يتضاءل عنه لا لمن ينتفج إليه [7] ، هو لمن يقال له هو لك لا لمن يقول هو لى» .
ولقد شاورنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصّهر، فذكر فتيانا من قريش فقلت: أين أنت من على؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنى لأكره لفاطمة ميعة [8] شبابه، وحداثة سنّه، فقلت له: متى كنفته يدك، ورعته عينك، حفّت بهما [9] ، البركة، وأسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خاطبته به رغّبته فيك، وما كنت
(1) نكل عنه كضرب ونصر وعلم نكولا: نكص وجبن.
(2) المشهوم والشهم: الذكى الفؤاد المتوقد، وعجم عوده كنصر: عضه ليعلم صلابته من خوره.
(3) فى كتب اللغة: أرهص الله فلانا للخير أى جعله معدنا للخير ومأتى. وفى صبح الأعشى ونهاية الأرب «وأنهض» .
(4) وفى ابن أبى الحديد: «فاسمع ما أقول لك، واقبل ما يعود قبوله عليك، ودع التجسس والتعسس ... الخ» .
(5) التقليص. التشمير، والأردان: جمع ردن بالضم، وهو أصل الكم، والتقعس والتقاعس: التأخر، وظلع البعير كمنع: غمز في مشيه. وعطا الظبى: تطاول إلى الشجر ليتناول منه.
(6) الغض: الطرى، ومضه الشئ مضا: بلغ من قلبه الحزن به كأمضه، والأديم: الجلد، وحلم الجلد كفرح: وقع فيه الحلم بالتحريك: وهو دود يقع في الجلد فيأكله فإذا دبغ وهى موضع الأكل، وسيف عضب: قاطع، ونبا السيف عن الضريبة: كل، فلا تحل: أى فلا تتحول ولا تصر، وماء أجاج: أى ملح مر.
(7) يجاحش: يدافع، ونفج وانتفج وتنفج: ارتفع، ومنه انتفج جنبا البعير: أى ارتفعا، وانتفجت الأرنب: أى وثبت، وفى ابن أبى الحديد «لا لمن يشمخ إليه» .
(8) ميعة الشباب: أوله.
(9) أى بعلى وفاطمة، وأسبغ الله عليه النعمة. أتمها.