فخرج كعب حتى قدم المدينة، واجتمع الناس لقدومه، فقام فقال: «يا أهل المدينة إنى رسول أهل البصرة إليكم: أأكره هؤلاء القوم هذين الرجلين على بيعة علىّ، أم أتياها طائعين؟ فلم يجبه أحد من القوم، إلا ما كان من أسامة بن زيد، فإنه قام فقال: اللهم إنهما لم يبايعا إلا وهما كارهان» .
(تاريخ الطبرى 5: 177)
وبلغ عليّا الخبر، فبادر بالكتاب إلى عثمان بن حنيف يعجّزه ويقول:
«والله ما أكرها إلا كرها على فرقة، ولقد أكرها على جماعة وفضل [1] ، فإن كانا يريدان الخلع، فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان غير ذلك نظرنا ونظرا» :
فقدم الكتاب على عثمان بن حنيف، وقدم كعب، فأرسلوا إلى عثمان أن اخرج عنا، فاحتجّ بالكتاب، وقال: هذا أمر آخر غير ما كنا فيه، فجمع طلحة والزبير الرجال، ثم قصدا المسجد وقت صلاة العشاء، وأبطأ ابن حنيف، فقدّما عبد الرحمن ابن عتّاب، فشهر الزّطّ والسّبابجة [2] السلاح، ووضعوه فيهم، فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد.
ثم أخذ أصحاب عائشة ابن حنيف فضربوه أربعين سوطا، ونتفوا شعر لحيته، ورأسه وحاجبيه، وأشفار عينيه وحبسوه.
(تاريخ الطبرى 5: 178)
(1) روى أن الناس لما بايعوا عليا تشاوروا فيما بينهم، وقالوا: إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت فبعثوا إليهما وجاءوا بهما يحدونهما بالسيف للبيعة، فتلكأ طلحة فقال له مالك الأشتر- وسل سيفه- والله لتبايعن أو لأضربن به ما بين عينيك، فقال طلحة: وأين المهرب عنه؟ فبايعه وبايع الزبير والناس، وروى أن عليا قال لهما: إن أحببتما أن تبايعا لى، وإن أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك، وقالا بعد ذلك:
إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا، وقد عرفنا أنه لم يكن ليبايعنا» (تاريخ الطبرى 5: 153) .
(2) الزط: قوم سود من أهل السند والهند، وكذا السبابجة: قوم ذوو جلد من السند والهند يكونون مع رئيس السفينة البحرية يخفرونها، وكانوا بالبصرة جلاوزة وحراس السجن.