ومما يسأل عنه أن يقال ما معنى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) ؟
وفي هذا جوابان:
أحدهما: مكروا بالمسيح بالحيلة عليه لقتله، ومكر الله بردهم بالخيبة؛ لالقائه شبه المسيح على غيره.
هذا قول السُّدِّي.
والجواب الثاني: أن المعنى: ومكروا بإضمار الكفر. ومكر الله بمجازاتهم بالعقوبة على الكر.
فإن قيل: المكر لا يحسن من الحكيم.
قبل: إنما جاز هذا على مزاوجة الكلام، نحو قوله (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) . فهذا أحد وجوه البلاغة، وهي على أربعة أضرب:
إِحدها: المزاوجة نحو: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) .
والمجانسة: نحو قوله: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) .
والمطابقة: نحو: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) بالنصب على مطابقة السؤال.
والمقابلة: نحو قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) .
قوله تعالي: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)
التوفي: القبض، يقال: توفيت حقي واستوفيت بمعنى واحد
ومما يُسأل عنه هاهنا أن يقال ما معنى (مُتَوَفِّيكَ) هاهنا؟.
وفيه أجوبة:
أحدها: أن المعنى قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة موت. وهذا قول الحسن وابن جريج وابن زيد
والجواب الثاني: إني متوفيك وفاة النوم لأرفعك إلى السماء، وهو قول الربيع، قال رفعه نائما.
والجواب الثالث: إني متوفيك وفاة موت، وهو قول ابن عباس..
ووهب بن منبه. قال أماته ثلاث صاعات.
فأما النحويون فيقولون: هو على التقديم والتأخير، أي: إني رافعك ومتوفيك. لأن الواو لا
يقتضي الترتيب، بدلالة قوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) والنذر قبل العذاب، بدلالة
قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .
وموضع (إذ) نصب على أحد وجهين:
إما على قوله: ومكروا ومكر الله إذ قال الله
وإما على إضمار (اذكر) .