ونجيب: أولا: بأن هذه الروايات لا تدل أبدا على عدم تواتر القراءات ولا على عدم تواتر ما جاء فِي مصحف عثمان. غاية ما تدل عليه أن ابن مسعود لم يوافق أول الأمر على إحراق مصحفه. وهذا لا ينقض تواتر ما جاء فِي مصحف عثمان. لأنه ليس من شرط التواتر على ما فِي مصحف عثمان أن يحرق ابن مسعود مصحفه ولا أن يحرق أحد مصحفه. بل المحقق للتواتر أن يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب فِي كل طبقة. وهذا موجود فِي مصحف عثمان لأن ما فيه رواه ووافق عليه جموع عظيمة من الصحابة محال أن تكذب وحسبك عثمان ودستوره فِي جمع القرآن. فارجع إليه إن شئت.
ثانيا: أنه على فرض مخالفة ابن مسعود لمصحف عثمان فإن هذه المخالفة لا تذهب بتواتر القرآن. لأن أركان التواتر متحققة فِي المصحف العثماني على رغم هذه المخالفة المفروضة ولم يقل أحد فِي الدنيا: إن من شرط التواتر ألا يخالف فيه مخالف حتى تكون مخالفة ابن مسعود لمصحف عثمان ناقضة لتواتر القرآن.
ثالثا: أن هذه الروايات التي ساقوها طعنا فِي تواتر القرآن لا تدل على أن ابن مسعود يخالف فِي القراءة بمصحف عثمان. بل هو يقرأ به كما يقرأ بروايته التي انفرد بها وسمعها وحده من فم النبي - صلى الله عليه وسلم - . ألا ترى إلى قوله: وقد قرأت من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله فإن كلمة مثله فيها اعتراف منه بأن زيد بن ثابت قرأ مثله من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن ما انفرد ابن مسعود به تعتبر روايته آحادية. وأنت خبير بأن رواية الآحاد لا تكفي فِي ثبوت القرآنية. لذلك لم يوافق الصحابة على ما انفرد به ابن مسعود بخلاف مصحف عثمان فقد وافقه عدد التواتر وظفر بإجماع الأمة ولم يكتب فيه إلا ما استقر فِي العرضة الأخيرة من غير نسخ لتلاوته على ما سبق بيانه هناك فِي مبحث جمع القرآن.