والدليل على أن الكافر هو الذي كان مُلِّكَ إنَّه قال: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)
وأنه دعا برجلين فقتل أحدهما وأطلق الآخر، فلولا أنه كان ملكاً وإبراهيمُ عليه السلام غيرَ ملك لم يتهيأ له أن يقتل وإبراهيم الملك، وهو النبي عليه السلام.
وأمَّا معنى احتجاجه على إبراهيم بأنه يحيى ويميت، وترك إبراهيم
مناقضته فِي الإحياءِ والإماتة، فمن أبلغ ما يقطع به الخصوم ترك الإطالة
والاحتجاج بالحجة المُسْكِتةِ لأن إبراهيم لما قال له: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) كان جوابه على حسب ما أجاب في
المسألة الأولى أن يقول: فأنا أفعلُ ذلك فَتَبَيَّن عجزه وكان فِي هذا إِسكَات
الكَافِرِ فقال اللَّهُ عزً وجل: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)
وتأويله انقطع وسَكتَ متحَيِّراً، يقال: بهِتَ الرجل
يُبْهَتُ بهْتاً إِذا انقطع وتحير، ويقال بهذا المعنى"بَهِتَ الرجل يَيْهَتُ"، ويقال
بَهَتُ الرجل أبْهَته بهْتاناً إِذا قابلتُه بكذبٍ.
وقوله عزَّ وجلَّ: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(259)
هذا الكلام معطُوف على معنى الكلام الأول، والمعنى - واللَّه أعلم -
أرأيت كالذي مرَّ على قَريةٍ، والقرية فِي اللغة سميت قرية لاجتماع الناس