المقامات التي يقطعها المريد ثلاث: مقام الإسلام، ومقام الإيمان، ومقام الإحسان، فما دام المريد مشتغلاً بالعمل الظاهر من صلاة وصيام وذكر اللسان، سُمي مقام الإسلام، فإذا انتقل لعمل الباطن من تخلية وتحلية وتهذيب وتصفية، سُمي مقام الإيمان، فإذا انتقل لعمل باطن الباطن من فكرة ونظرة وشهود وعيان سمي مقام الإحسان، وهذا اصطلاح الصوفية سموا ما يتعلق بإصلاح الظواهر: إسلامًا، وما يتعلق بإصلاح القلوب والضمائر: إيمانًا، وما يتعلق بإصلاح الأرواح والسرائر: إحسانًا. وجعل الساحلي في البغية كل مقام مركبًا من ثلاثة مقامات، فالإسلام مركب من التوبة والتقوى والاستقامة، والإيمانَ مركب من الإخلاص والصدق والطمأنينة، والإحسان مركب من مراقبة ومشاهدة ومعرفة.
وأطال الكلام في كل مقام، لكن من سقط على شيخ التربية لم يحتج إلى شيء من هذا التفصيل. وبالله التوفيق.
(ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ ...(94)
تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ بالأخذ وَرِماحُكُمْ بالطعن لِيَعْلَمَ اللَّهُ علم ظهور وشهادة تقوم به الحجة، مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فيكف عن أخذه حذرًا من عقاب ربه.
وإنما قلَّلَهُ بقوله: (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) إشعارًا بأنه ليس من الفتن العظام كبذل الأنفس والأموال، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها، فمن لم يصبر عنده فكيف يصبر بما هو أشد منه؟
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ...(96)
صَيْدُ الْبَحْرِ وهو ما لا يعيش إلا في الماء، وهو حلال كله لقوله صلّى الله عليه وسلّم في البحر: «هُو الطَّهُورُ ماَؤهُ، الحِلُّ مَيتَتُه» .
وقال أبو حنيفة: لا يحل منه إلا السمك.
(وَطَعامُهُ) أي: ما قذفه، أو طفا على وجهه لأنه ليس بصيد إنما هو طعام.