قلت في الجواب: هذا شيء ذهب إليه الفقهاء، وليس الأمر كما ذهبوا إليه؛ لأنه إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامَّة الناس من إسكاف وحداد ونجار وخباز ومن جرى مجراهم, فهؤلاء لا يفهمون من"الغائط"إلّا قضاء الحاجة؛ لأنهم لم يعلموا أصل وضع هذه الكلمة, وأنها مطمئن من الأرض. وأما خاصة الناس الذين يعلمون أصل الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلّا
الحقيقة لا غير، ألا ترى أن هذه اللفظة لمَّا وردت في القرآن الكريم وأريد بها قضاء الحاجة قرنت بألفاظ تدل على ذلك، كقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} فإن قوله: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} دليل على أنه أراد قضاء الحاجة دون المطمئن من الأرض، فالكلام في هذا وأمثاله إنما هو مع علم أصل الوضع حقيقةً والنقل عنه مجازًا، وأما الجهَّال فلا اعتبار بهم، ولا اعتداد بأقوالهم, والعجب عندي من الفقهاء الذين دوَّنوا ذلك على ما دوَّنوه، وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه.
وأما الوجه الوصفيّ: فهو أنَّ المرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة، التي هي وضع الأسماء على المسميات، ولم يوجد فيها أن الوجه المليح يسمَّى شمسًا، ولا أن الرجل الجواد يسمَّى بحرًا، وإنما أهل الخطابة والشعر توسَّعوا في الأساليب المعنوية فنقلوا الحقيقة إلى المجاز، ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية.
{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ... (116) } [التفريط]
والتفريط في إيراد المعاني الخطابية قبيح لا يجوز استعماله بوجه من الوجوه، والإفراط يجوز استعماله، فمنه الحسن، ومنه دون ذلك.
فمما جاء من التفريط قول الأعشى: وما مزبد من خليج الفرات جون غواربه تلتطم
بأجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغم
فإنه مدح ملكا بالجود بماعونه، والماعون كل ما يستعار من قدوم أو قصعة أو قدر، أو ما أشبه ذلك، وليس للملوك في بذله مدح، ولا لأوساط الناس أيضا، وفي مدح السوقة به قولان، ومدح الملوك به عيب وذم فاحش، وهذا من أقبح التفريط.