إن الفرق التي ظهرت في الاسلام تنشأ في أول أمرها تسترة بمظهر من مظاهر الشرع، أو بأصل من الأصول الدينية، أو يخلق من الأخلاق الإسلامية الرفيعة، ث م تبدأ مظاهر الغلو في هذا المظهر أو الأصل أو الخلق، ثم الانحراف شيئا فشيئا حتي تنشأ في نهاية أمرها فرفة، نستظل بمجموعة من الأصول والفروع والأخلاق، تخالف ما عليه أهل السنة والجماعة.
والتصوف ارتبط في مراحله المبكرة ارتباطا وثيقا بناية عظيمة من غايات هذا الدين الحنيف وهو الزهد في هذه الدنيا وزخارفهاء تستر المتصوفون وراء الرجال المخلصين الذين كانوا ينشدون الكمال الديني، والخلقي بزهدهم وعبادتهم لله تعالى، باخلاص نية، واتباع لايات الكتاب، وافتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم. نستر المتصوفون بهولاء، وتلاهروا بأخلاقهم وصفاتهم، وأضافوا الى ذلك الكمال الديني والخلقي إضافات مريبة من الاسلام. وكانت هذه الاضافات الغريبة والدخيلة تزداد مع ازدياد عدد المنحرفين، أوالجاهليين لأمور الدين الذين يدخلون في هذا التيار وتزداد كذلك كلما ابتعد الزمان من المصدر الأول، وقل رجاله المخلصون، وتزداد مع توسع الفتوح وكثرتها وكثرة الداخلين في هذا الدين، بمخلفاتهم المختلفة والمتعددة من ثقافات، ودباتات، وعادات، وتقاليده
وقد كتب العلماء والباحثون في تطور التصوف، وجعلوه مراحل وأفسام بحس ب مظاهر الغلو والانحراف في العقائد والسلوك، ورأيت أن كثيرا منهم خلط بين الزه د الاسلامي الأصيل وبين التصوف، فبعضهم جعل طبقة الزهاد من أوائل المتصوفين، بل قد غلا بعضهم بأن جعل الصحابة من المتصوفين. والبعض الآخر جعل أوائل المتصوفين، من الزهاد، الذين كانوا على السنة والصراط المستقيم، مع إنه قد اشتهر عنهم بع ض الأقوال المنحرفة التي تخالف السنة، وما كان عليه سلف هذه الأغة. والحق أن الزهد غير التصوف، والزهاد والعباد غير المتصوفين، وإن كان أوائل المتصوفين زهادا وعبادا إلا أنهم قد تميزوا بأشياء أخرى زيادة على الزهد والعبادة. يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله:"قالتصوف مذهب معروف بزيد على الزهد، ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد، وقد تحوا التصوف". (1)
والمتصوفة بعشرون الزهد مقاما من مقامات التصوف، فالسراج الطوسي بعد أن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تلبيس ابليس (س / 209)