يصفو الحبشي إلى القبورية في معتقده وإلى الشرك في طريقته، فهو يدعو الناس إلى الاستغاثة بالموتى والاستعاذة بهم، فهو يقول:"وليس مجرد الاستغاثة بغير الله ولا الاستعاذة بغير الله يعتبر شركا كما زعم بعض الناس، لو قال قائل: يا رسول الله المدد فهو عندهم صار كافرا" [1] ، وقال أيضا:"وإني لأعجب من هؤلاء الذين يكفرون المسلمين لمجرد التمسح بقبر ولي أو قولهم: يا رسول الله المدد" [2] .
واستدل بالقول المنسوب إلى الصحابي الحارث بن حسان البكري أنه قال:"أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد" [3] ، والواقع أن زيادة:"ورسوله"منكره تفرد بها زيد بن الحباب عن أبي المنذر عن عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان، ورواية عفان وسفيان بن عينية أثبت، وليس فيها هذه الزيادة"ورسوله".
ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليحذر الناس من الشرك وينهاهم عنه، فقد قال للذي قال"ما شاء الله وشاء رسوله"قال صلى الله عليه وسلم:"أجعلتني لله ندا؟"، فلو أن حسان بن الحارث تفوه بهذا لسارع النبي صلى الله عليه وسلم إلى إنكاره، كما أنكر في هذه.
واحتج أحمد بن حنبل بحديث:"أعوذ بكلمات الله التامات ..."على تحريم الاستعاذة بغير الله وأنه لا يستعاذ بمخلوق [4] . وروى البخاري عن يحيى بن معين أنه لا يستعاذ بمخلوق [5] . وقد أمر الله تعالى بالاستعاذة به وحده فقال: (وإما ينزعنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله) [الأعراف200] وقال: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) [النحل 98] ، وقال: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. وأعوذ بك رب أن يحضرون) [المؤمنون 97 - 98]
وقد كان مشركو العرب إذا هبطوا واديا استعاذوا بالجن، فقال تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) [الجن 6] .
وقد جعل هذا الحبشي الاستعاذة والاستعانة بغير الله ليست من الشرك، بل وجعل هذه الاستغاثة والاستعانة من التوحيد، وحتى السجود للصنم لا يعتبر عنده شركا، بل كبيرة من الكبائر فقط [6] .
وأجاب الحبشي عن سؤال سائل أراد معرفة حكم المستغيث بالأموات الذي يقول: يا بدوي أغثني يا دسوقي المدد، فقال:"يجوز أن يقول أغثني يا بدوي ساعدني يا بدوي"فقيل
(1) صريح البيان 57 - 62 والدليل القويم 173 والمقالات السنية 46
(2) بغية الطالب 51
(3) رواه أحمد 3/ 481 - 482
(4) انظر فتح الباري 6/ 410
(5) خلق أفعال العباد 123
(6) مسجل بصوته