ولما رأى الحبشي في هذا النوع الثالث متمكنا له - أي بالتأويل الذي هو صرف النصوص عن ظواهرها، وحسب الآية متصلة بجهالة! فما الذي يمنع أن يكون من الراسخين في العلم؟؟
فارتكب بهذا أخطاء جسيمة كل خطأ أعظم مما يليه، ولا يخرج من واهية حتى يقع في أشد منها، وذلك لانحرافه عن منهج أهل السنة والجماعة واتباعه الفتنة منهجا.
فالأول: أخذه بمنهج التأويل الباطل المظنون.
والثاني: زعمه أن هذا التأويل هو ما أراده الله على الحقيقة.
والثالث: قال الله (وما يعلم تأويله إلا الله) فيرد الحبشي قائلا: أنا أعلم تأويله.
والرابع: زعم زورا أنه من الراسخين في العلم.
وهو إنما يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل كتاب الله تعالى وإن الراسخين في العلم لم ينفوا صفات الله ولم يؤولوها تعطيلا لها بل آمنوا بمحكمه ومتشابهه.
أفيكون من الراسخين في العلم من يؤول الاستواء بالاستيلاء، وهذا مالك أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله: (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى، فقال مالك قولته المشهورة التي قبلتها الأمة وأجمعت عليها والسؤال عنه بدعة (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب) .
أما قول الحبشي:"يجوز تأويل صفات الله لأجل صرف العامة عن الجسمية"فهو مخالف لقول مالك وإجماع الأمة.
أفيكون راسخ في العلم منحرفا عن إجماع الأمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا تجتمع أمتي على ضلالة"؟
والعامة الذين يسلمون بهذه الآيات والأحاديث ويؤمنون بها كما جاءت لا يشبهون ولا يعطلون فهم الراسخون المهتدون.
ومن قال لك: إن العامة تتوهم الجسمية، وما أرى هذا إلا شيطانا ألقاه على فيه هذا الحبشي فصار يتوهم ذلك.
قال السيوطي:"وأما الغالبية من الصحابة والتابعين وأتباعهم خصوصا أهل السنة فذهبوا إلى أنه لا يعلم تأويله إلا الله، ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة" [1] . نعم هذا هو حال الحبشي وأتباعه: زائغون ومبتغو فتنة"أما حبشيهم فهو من الراسخين في الجهل وإشعال الفتن على المسلمين."
(1) 46 الإتقان في علوم القرآن 2/ 3 - 4