فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الراسخون في العلم حقا لم يكن أحدهم ليقول إني من الراسخين في العلم، لما يعلمه من أن قائل هذا القول سينسب إلى الغرور والجفاء والتعالي والتعالم.
فليس من المأثور عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد ابن ثابت وأبي هريرة وأبي بن كعب ومعاذ وأبي موسى وأبي سعيد أن أحدا قال منهم أني من الراسخين في العلم.
ولا قال ذلك موسى عليه السلام حين سئل عن أعلم أهل الأرض. والحبشي يوهمه شيطانه أنه من الراسخين في العلم فيصدق. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به) وقالت:"كان من رسوخهم في العلم أن أمنوا بمحكمه ومتشابهه ولم يعلموا تأويله" [1]
وعن أبي نهيك الأسدي أنه قال: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) ،"إنكم تصلون هذه الآية وهي مقطوعة، وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا، فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوه" [2]
وعن طاووس اليماني قال: كان ابن عباس يقول:"وما يعلم تأويله إلا الله. ويقول الراسخون في العلم آمنا به" [3] . وعن مالك بن أنس في قوله: (وما يعلم تأويله إلا الله"قال: ثم ابتدأ:"والراسخون في العلم يقولون آمنا به"، وقال مالك:"وليس يعلمون تأويله" [4] وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول في هذه الآية:"وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم"،"إن الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا"."
فالثابت أن أحدا من الخلق لا يعلم تأويله إلا الله، والمقصود بالتأويل ها هنا تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وكيفية الغيب، كالذي أعده الله لعباده الصالحين في الجنة، لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر، فذاك الذي أخبر به لا يعلمه إلا الله، فهذا النوع الأول. والنوع الثاني من التأويل الذي يكون بمعنى التفسير.
والنوع الثالث هو تأويل أهل الكلام والجدل من الجهمية وغيرهم الذين يقولون: إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه إلا الله وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها، فأولوا اليد بالقدرة والاستواء بالاستيلاء وغير ذلك.
(1) 42 تفسير ابن جرير 3/ 122
(2) 43 تفسير ابن جرير 3/ 122
(3) 44 تفسير ابن جرير 3/ 122
(4) 45 العزو الآنف.