فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 133

وعنده"يجب على المكلف أن يرضى عن الله في تقدير الخير والشر، فالمعاصي من جملة مقدورات الله تعالى ومقتضياته" [1] وهنا نجده جبريا.

وبما أنه نسب العبد إلى أنه لا فعل له وأن الفعل فعل الله، فيجب حسب زعمه الرضا عن أعمال الكفر لأنها من قضاء الله وقدره، بل زعم أن الله هو المعين للكافر على كفره فقال"لولا إعانة الله الكافر على الكفر ما استطاع أن يكفر" [2] .

وهذا القول من أبين الضلال، فقد قال تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر) ، والإعانة أشد من الرضا، فكيف يعين على الكفر وهو لا يرضى بالكفر!

ومما يدل على أن هذا الحبشي غارق في الجبر، ما يدعيه من"أن أعمال العباد ما هي إلا أمراض تصيبهم من حيث أنهم لا قدرة لهم على دفعها" [3] .

وهذا هو عين قول الجعد بن درهم والجهم بن صفوان من الجبرية الذين قالوا:"إن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، فلا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار بل هو مجبور على فعله، فهو كالريشة في مهب الريح".

وقالوا: إن الله تعالى خلق في الإنسان أفعاله بنوعيها الاضطرارية والاختيارية التي يخيل إلى بعضهم أنها اختيارية، ونسبتها إلى الإنسان على سبيل المجاز، كما تنسب إلى الجمادات والنباتات فتقول: طلعت الشمس وأثمرت الشجرة [4] .

والقول بالجبر يعطي العصاة حجة يتذرعون على عصيانها، فيحتجون على خالقهم بقضائه فإذا ما حوسب امرؤ على فعله قال: هذا قضاء الله وقدره، ومذهب الحبشي هذا تنقضه آيات الله القائل: (كل نفس بما كسبت رهينة) [المدثر 38] و (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) [الكهف 29] و (ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد) [الحج 9] وتنقضه الأحاديث الكثيرة.

وجاء في الأثر: أن أحد اللصوص سرق في عهد عمر بن الخطاب، فسأله عمر: لم سرقت؟ فقال: قدر الله ذلك، فقال عمر: اضربوه ثلاثين سوطا ثم اقطعوا يده، فقيل له: لم؟ فقال: يقطع لسرقته ويضرب لكذبه على الله [5] .

ويلزم من قول المجبرة أنه لا معنى لإرسال الرسل وترتيب الثواب والعقاب على الأعمال، ومجمل قول الحبشي: أنه لا تأثير لقدرة العبد في الفعل ولا دخل له في الكسب،

(1) الدليل القويم 85 وبغية الطالب 270

(2) النهج السليم شرح الصراط المستقيم 67

(3) الدليل القويم 136

(4) الملل والنحل 87 والفرق بين الفرق 128

(5) شرح الفقه الأكبر 39

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت