-و من أقوال أهل السنة والجماعة:
قال ابن القيم في طريق الهجرتين 1/ 262:
فشهوده توحيد الرب وانفراده بالخلق ونفوذ مشيئته وجريان قضائه وقدره يفتح له باب الإستعاذة ودوام الإلتجاء إليه والافقتار إليه، وذلك يدينه من عتبه العبودية ويطرحه بالباب فقيرا عاجزا مسكينا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وشهوده أمره تعالى ونهيه وثوابه وعقابه يوجب له الحمد والتشمير وبذل الوسع والقيام بالأمر والرجوع على نفسه باللوم والإعتراف بالتقصير فيكون سيره بين شهود العزة والحكمة والقدرة الكاملة والعلم السابق والمنة العظيمة، وبين شهود التقصير والإساءة منه وتطلب عيوب نفسه وأعمالها. فهذا هو العبد الموفق المعان الملطوف به المصنوع له الذي أقيم مقام العبودية وضمن له التوفيق وهذا هو مشهد الرسل فهو مشهد أبيهم آدم إذ يقول:"ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"ومشهد أو الرسل نوح إذ يقول:"رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين"ومشهد إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذ يقول:"الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين"وقال في دعائه:"رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام"فعلم صلى الله عليه وسلم أن الذي يحول بين العبد وبين الشرك وعبادة الأصنام هو الله لا رب غيره فسأله أن يجنبه وبنيه عيادة الأصنام. وهذا هو مشهد موسى إذ يقول في خطابه لربه:"أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين"أي إن ذلك إلا امتحانك واختيارك، كما يقال فتنت الذهب إذا امتحنته واختبرته، وليس من الفتنة التي هي الفعل المسيء كما في قوله تعالى:"إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات"وكما في قوله تعالى:"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة"فإن تلك فتنة المخلوق، فإن موسى أعلم الله بأن يضيف إليه هذه الفتنة وإنما هي كالفتنة في قوله"وفتناك فتونا"أي ابتليناك واختبرناك وصرفناك في الأحوال التي قصها