وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَامُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] . وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ. وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] . وَهَذَا هُوَ مَعْنَى لا إلاه إِلا اللهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: (رَاسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) .
وَاللهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعلى آلاه وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
من هنا بدأ المصنف الكلام عن القسم الثاني , وهو الكلام عن الأصول الثلاثة , وهي أصل هذه الرسالة.
خلاصة هذا المقطع: ذكر الأصول الثلاثة مجملة.
بدأ المؤلف الكلام على موضوع هذه الرسالة، وهو الأصول الثلاثة، وأجملها هنا , وسوف يفصلها بأدلتها أثناء الرسالة.
والأصول: جمع أصل، وهو لغة: أسفل الشيء وأساسه. وهو ما يبنى عليه غيره.
ومنه أصل الجدار وهو أساسه الذي يبنى عليه , وأصل الشجرة , وهو جزءها الثابت في الأرض.
قال تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} .
قوله - رحمه الله: (فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟)
صاغ المصنف ـ رحمه الله ـ المادة التي سيقررها شرحًا وتبيانًا للأصول الثلاثة على صيغة سؤال وجواب وذلك لعلتين أما العلة الأولى: فلأن صِيَغ السؤال والجواب في التعليم من أنفع الصيغ
وأرسخها تعليمًا وتدريسًا للمُعلَّمين والمدرَّسين، ومن ثم تجد المصنف -يرحمه الله- يُعنى بهذا الأسلوب في كثير من رسائله.
?وأما العلة الثانية: فلأن هذا الأسلوب فيه إيقاظ للوسنان، فالسؤال عندما يورد تتطلع الهمم والعقول لمعرفة جوابه، والسؤال عندما يُلفظ تتطلع الهمم لمعرفة ما بعده ومن ثم كان فيه نوع إيقاظ، ولذلك أورد المصنف -يرحمه الله- هذه المادة التي يشرحها للأصول الثلاثة على صيغة السؤال والجواب.
قوله - رحمه - (معرفة العبد ربه) يشمل: معرفته بتوحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.