وجه الدلالة:
أمر النبي- ? - أن لا يباع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، إلا عينًا بعين، وزنًا بوزن، وكذلك في سائر الأجناس الربوية إذا بيعت بجنسها، ومعلوم أن وجود خلط أو شيء مضاف إلى الجنس الربوي يحول دون ما أمر به النبي- ? - من المساواة [1] ،فيجب إزالة الخلط لتتحقق المساواة، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [2] .
الثالث: أن معاوية - رضي الله عنه - ابتاع سيفًا محلى بالذهب بذهب، فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه: لا يصلح هذا، فإن رسول الله - ? - نهى عنه، فقال:"الذهب بالذهب مثلًا بمثل"، فقال معاوية - رضي الله عنه: ما أرى بذلك بأسًا، فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه: أحدثك عن رسول الله - ? -، وتحدثني عن رأيك. والله لا أساكنك أبدًا [3] .
وجه الدلالة:
أن أبا الدرداء - رضي الله عنه - جعل هذه الصورة داخلة في عموم النهي عن بيع الذهب بالذهب، إلا مثلًا بمثل.
المناقشة:
نوقش هذا بثلاثة أمور:
1 -أن الأثر منقطع، كما هو مبين في تخريجه.
2 -أن هذه القصة غير معروفة لأبي الدرداء - رضي الله عنه -، بل القصة الصحيحة المشهورة معروفة لعبادة بن الصامت - رضي الله عنه - مع معاوية - رضي الله عنه - من وجوه وطرق شتى [4] .
3 -أنه لا يعلم لأبي الدرداء - رضي الله عنه - حديث في الصرف، ولا في بيع الذهب بالذهب، ولا في الورق بالورق. وهذا مما يؤكد ضعف هذه الرواية [5] .
الإجابة:
أجيب عن هذه المناقشات بما يلي:
1 -أنه لا يتعين الانقطاع لأجل عدم سماع عطاء من أبي الدرداء - رضي الله عنه -؛ لاحتمال أن يكون سمعه من معاوية - رضي الله عنه - فإنه قد سمع من جماعة من الصحابة هم أقدم موتًا من معاوية [6] .
2 -كون القصة المشهورة معروفة لعبادة - رضي الله عنه - لا ينفي وقوع نظيرها لأبي الدرداء - رضي الله عنه -.
3 -كونه لم يُعْلَم لأبي الدرداء - رضي الله عنه - حديث في الصرف، لا يعني ضعف هذه القصة، فعدم العلم ليس علمًا بالعدم.
ثانيًا: من النظر
الأول: أن الصفقة إذا جمعت شيئين مختلفي القيمة، انقسم الثمن على قدر قيمتيهما، وهذا يؤدي إلى أحد أمرين: إما إلى العلم بالتفاضل، وإما إلى الجهل بالتماثل، وكلاهما مبطل للعقد. فإذا باع مثلًا درهمًا ومدًا، والمد يساوي درهمين، باعهما بمدين، يساويان ثلاثة دراهم، كان الدرهم في مقابلة ثلثي مد، ثم يبقى مد في مقابلة مد وثلث، وهذا ربا؛ لأنه قد علم التفاضل، فلا يجوز. وإذا فُرِضَ التساوي بأن باع درهمًا ومدًا، والمد يساوي درهمًا، باعهما بدرهم ومدٍ،
يساوي درهمًا، لم يجز أيضًا؛ لأن التقويم ظن وتخمين، لا تتحقق معه المساواة [7] ،
(1) ينظر: المحلى (8/ 495) .
(2) ينظر: التمهيد في أصول الفقه (1/ 322) ، المحصول في علم الأصول (2/ 192) ، شرح الكوكب المنير (1/ 57) القواعد والفوائد الأصولية القاعدة (17) ، (94) .
(3) رواه مالك في كتاب البيوع - باب بيع الذهب بالفضة تبرًا وعينًا -، رقم (33) ، (2/ 634) ، ورواه الشافعي في الرسالة، فقرة رقم (1228) ، ص (446) .
وأصل القصة رواها النسائي في كتاب البيوع - باب الذهب بالذهب -، رقم (2572) ، (7/ 279) .
وقال ابن عبد البر في التمهيد (4/ 71) بأن هذا الأثر منقطع؛ لكون عطاء بن يسار لم يسمع من أبي الدرداء.
وقال الزرقاني في شرح الموطأ (3/ 279) :"الإسناد صحيح، وإن لم يرد من وجه آخر".
وصححه أيضًا أحمد شاكر في تحقيق كتاب الرسالة ص (446) ، والألباني في صحيح سنن النسائي رقم (4263) ، (3/ 949) .
(4) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (4/ 71 - 73) .
(5) ينظر: المصدر السابق.
(6) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (4/ 72) .
(7) ينظر: عقد الجواهر الثمينة (2/ 379 - 380) ، الحاوي الكبير (5/ 114 - 115) ، المبدع (4/ 144) .