ثالثًا: ألاَّ تدعو إلى الغرر حاجة عامة.
فإن الحاجات العامة تنزل منزلة الضرورات، قال الجويني: (( الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة ) ) [1] ، وضابط هذه الحاجة هي كل ما لو تركه الناس لتضرروا في الحال، أو المآل [2] ، فإذا دعت حاجة الناس إلى معاملة فيها غرر لا تتم إلا به؛ فإنه يكون من الغرر المعفو عنه، قال ابن رشد في ضابط الغرر غير المؤثر: (( وإن غير المؤثر هو اليسير أو الذي تدعو إليه ضرورة، أو ما جمع بين أمرين ) ) [3] ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه من ذلك ) ) [4] .
ومما استدل به أهل العلم على إباحة ما تدعو الحاجة إليه من الغرر؛ أحاديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ومنها حديث ابن عمر، - رضي الله عنهما - (( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع ) ) [5] .
وجه الدلالة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في ابتياع ثمر النخل بعد بدو صلاحه مبقاة إلى كمال صلاحه، وإن كان بعض أجزائها لم يخلق، فدل ذلك على إباحة ما تدعو إليه الحاجة من الغرر [6] .
رابعًا: أن يكون الغرر أصلًا غير تابع.
فإن الغرر التابع مما يعفى عنه؛ لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان دليل ذلك: (( وجوّز النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا باع نخلًا قد أُبِّرت أن
(1) غياث الأمم في التياث الظلم ص (478 - 479) .
(2) ينظر: المصدر السابق ص (481) .
(3) بداية المجتهد (2/ 175) ، وينظر: المجموع شرح المهذب (9/ 258) .
(4) مجموع الفتاوى (29/ 227) ، وينظر: (32/ 236، 29/ 25 - 26) .
(5) رواه البخاري في كتاب البيوع - باب بيع الثمار قبل بدو صلاحها -، رقم (2194) ، (2/ 112) ، ومسلم في كتاب البيوع - باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع -، رقم (1534) ، (3/ 1165) .
(6) ينظر: مجموع الفتاوى (20/ 341) ، إعلام الموقعين (2/ 6 - 7) .