كل يومٍ بألفٍ أو أَزْيد و أَقَلَّ الكثرة , و قتل خَلْقًا بِبَثْرة . فالله تعالى يُجْري دمشقَ على سُنَّتِها , و يُطْفِيءُ / [ 108 / أ ] لَفحاتِ نارِهِ عن نَفَحات جَنَّتِها:
أَصْلَحَ اللُّهُ دِمَشْقًا *** و حماها عن مَسَبَّهْ
نفسُها خَسَّتْ إلى أنْ *** تقتلَ الناسَ بِحَبَّهْ
ثم أمزَّ (1) المزَّة , و بَرَزَ إلى بَرْزَه (2) . و رُكِّبَ تركيبَ مَزْج ِ بعلبك ,
و أنشد في قارة: قفا نبك (3 . و غسل الغَسُولة , و بَلَغَ من كُسُوف شمس ِ شَمْسين سُوْلَه(4) . و طرح على الجُبَّةِ بُرْشة (5) , و أزبد على الزبداني نعشه .
و رمى حِمْصَ بخلل , و صرفها مع علمه أن فيها ثلاث علل (6) .
ثم طلّق الكنة في حَمَاة , فبردت أطراف عاصيها من حِماه:
يا أيها الطاعون إن حماة من خير البلاد و من أعزّ حصونها
ــــــــــــــــ
(1) في اللسان: مَزَّ مزازةً فهو مزيز: إذا كثر , فبني منها الكاتب متعديًا , بمعنى أكثر , و المَزَّة: المصَّة , و لعله يقصد أن الطاعون أكثر من مصّ دماء أهل المَزَّة . و المزّة: ضاحية من ضواحي دمشق إليها ينسب الحافظ المزّي و غيره .
(2) برزة: من ضواحي دمشق أيضًا .
(3) قارة و النبك بلدتان بينهما مسافة قصيرة , تقعان بين حمص و دمشق . و الكاتب يورِّي بمطلع معلقة امرئ القيس .
(4) أي سؤله , و"الغسولة"و"شمسين"موضعان .
(5) الجُبَّة: ضرب من مقطعات الثياب تلبس , و البُرْشة و البَرَش: لون مختلف ؛ نقطة حمراء و أخرى سوداء أو غبراء . هذا المعنى القريب , غير أنه أراد بالجُبَّة موضعًا في بلاد الشام , يعرف اليوم بـ"جباتا", و ثمة أكثر من موضع بهذا الاسم . و أراد بالبُرْشة لون الدم و لون بثر الطاعون , كناية عن كثرة الموتى , و الله أعلم .
(6) العلل التى منعتها من الصرف هي العلمية و العجمة و التأنيث , و هذا هو المعنى القريب: أما البعيد المراد , فقد ذكر ياقوت في معجمه (2/302-305) شيئًا من هذه العلل , مما عرفت به هذه المدينة .