فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 389

الفَناء فيه تأجيجًا . فقصم عند ذلك الآمال , و كثرت لديه الأعمال . و عظم التضرع إلى الله و الصِّياح , و عمل الناس بقوله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا أصبحت فلا تنتظر المساء , و إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح".

غير أن له خلائق محمودة , و غرائبَ ليست في سواه موجودة: لا يُفَرِّق بين الشخص و أقاربه , و لا يُؤَرِّقُ جَفْنَ المفجوع على ذاهبه . بل إنْ أخذ / واحدًا آنسه بجميع أهله , و جمع شملهم (1) في الردى بإهدام ذلك النسب من أصله . لا تطول معه الأمراض , و لا تكثر على الجسد الأعراض .

و قد طالت مدته على الأُمة , و قويت عليهم الشِّدّة و الغُمَّة . و اشترك في مُصابه الخلائق و البلدان , و عمت الأشجان و الأحزان . و هذا أمر لم يُسْمَعْ بمثله في الوجود , و لم يقع نظيره في الحدود . و أيّ طاعون دخل الأرضين من كل جانب ؟! و وصل إلى المشارق و المغارب ؟! بل طاعون عمواس , كالقطرة منه في القياس . و طاعون الأشراف , خاصٌّ ببعض الأصناف . و طاعون الفتيات , لغير الأبكار لم يوات . فاللَّهَ اللَّهََ في التضرّع بارتفاع هذه النازلة , و انقطاع هذه النِّقْمة برحمة متواصلة .

و قرأت في كتاب القاضي تاج الدين السُّبْكي , سنة (764) :

لما غمّ الطاعون على النفوس و عمّ , و همَّ بالردى فأودع القلوب الهمّ .

طاف البلاد فما ترك طائفة و لا تليدة , و طاف في الرَّبْع العامر فأذن بالخراب , و ما تلك الصفة بحميدة , و غزا الإقليمَ المصريَّ منه ما شيَّب النواصي , و شغلهم بأنفسهم عن القيام بالطاعات بل و بالمعاصي . و دخل منه الشامَ رُعبٌ يُرَوِّع و لا يراعي , فبطلت عنده الشهادات و ذهبت

ــــــــــــــــ

(1) ف: شمله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت