[ الفصل الثالث ]
ذكر بيان الحكمة في النهي عن الخروج من البلد الذي وقع فيها الطاعون فرارًا منه
ذهب بعض أهل العلم ، إلى أن ذلك أمر تعبدي لا يعقل معناه ،
و السبب عندهم في ذلك ، أن الفرار من المهالك مأمور به ، و قد صح النهي عن الخروج من البلد الذي وقع فيه الطاعون ، فكان ذلك لسرّ فيه لا تعلم حقيقته ، فالأولى فيه التسليم و امتثال ما أمر به الشارع .
و ذهب كثير (1) من العلماء إلى التعليل ، و أبرزوا في ذلك حِكَمًا:
منها: أن الطاعون ـ في الغالب ـ يكون عامًا في البلد الذي يقع به ، فإذا وقع و الشخص بها ، فالظاهر مداخلة سببه له ، فلا يفيده الفرار منه . بل إن كان أجله حضر فهو ميت ، سواء أقام أم رحل ، و كذا بالعكس .
و إلى هذا صار من رجّح أحدَ الوجهين ، في أن تصرفات الصحيح في البلد الذي يقع فيه الطاعون ، كتصرفات المريض مَرَضَ الموت ،
كما سيأتي بيانه في [ الباب ] (2) الخامس . فلما كانت المفسدة قد تعيّنت و لا انفكاك عنها حسنت الإقامة ؛ لما في الخروج من العبث الذي لا يليق بالعقلاء .
ـــــــــــــــــ
(1) ف: كثيرون .
(2) من ف ، ظ .