الأموات , بل استمرّ الطاعون بدمشق إلى سِلْخ و بلغ عدد من يموت , داخل السُّور خاصّةً , في كل يوم ألفَ نفس. و صلى الخطيب بالجامع على خمسة (1) و ستين نفسًا دفعة واحدة , فكان ذلك أمرًا مَهُولًا / , و حصل بسبب ذلك في الجامع ضجة عظيمة .
قلت: و حكى لي من أثق به , أنه شاهد في جامع عمرو بن العاص نحو ذلك .
و قرأت في"تذكرة"القاضي صلاح الدين خليل بن أبيك الصفدي:
أول ما بدأ الطاعون الكائن في سنة تسع و أربعين من الشام بغزة , ثم تعدى إلى بيروت , ثم إلى الشام كلها . و كان يقتل بالرائحة , و بقدر الحَبَّة تظهر في المغابن ؛ كالإِبْط و نحوه , و بِبَثْرةٍ خلف الأُذُن , و بقدر الخيارة في الوَرِك . و بعضهم يبصق دمًا فيخرُّ ميتًا .
و كتب في رسالة: و إنما عاقته العوائق , و شغله ما شغل جميع الخلائق . و هو أمر هذا الوبا , و ما بلغكم عنه من النبا . فإنه قد عمَّ البلاد , و غمّ النفوس و أذاب الأكباد . و قدم مصر في أول هذه السَّنة , ففقد أهلها القرار و السِّنة . و تقدم بعساكر المنايا , و دهم بكبائر الرزايا , و ألقى الرعب في قلوب البرايا , و أبقى في صدورهم البلايا . و شَهَر لكل أحد نصابه (2) , و نزل بباب كل بيت منه عصابة . فالناس بين كل ميت و مائت , و متوقع الفَوَات و فائت . و أصبح كل جبار و هو منه (3) خائف , و يظن أن الموت على بابه واقف .
إن دخل بيتًا كان آخر أهله خروجًا , و إن عدل إلى فِناء أجّج نار
ــــــــــــــــــ
(1) كذا في سائر الأصول .
(2) في الأصل: مصابه , و ما أثبته في ف , ظ , ع .
(3) ف: منصت , مكان: منه .