و الكُبَّة (1) . فأناخ بها الرحال , و هبت شماله ذات اليمين و ذات الشمال . و في شهر ربيع الأول , اجتمع الناس على قراءة البخاري , و قرأوا سورة نوح بمحراب الصحابة ثلاثة آلاف و ثلاث مائة و ثلاثًا (2) و ستين مرة , اتباعًا لرؤيا رآها رجل . و دعوا برفع الطاعون , فازداد .
ثم شرع الخطيب في القنوت في الصلوات و الدعاء , و حصل للناس الخضوع و الخشوع و التضرع و التوجع و التوبة و الإنابة . ثم إن نائب السلطنة أمر بإبطال ضمان النعوش و جمع ما يتعلق بالأموات , و نودي بذلك في الطرقات , و صنع الناس نعوشًا وقفوها , و اتسعوا بها في تشييع الموتى .
ثم نودي في البلد بصوم ثلاثة أيام , ثم وقفوا بالجامع , كما يفعلون في شهر رمضان , ثم خرجوا يوم الجمعة , سابع عشر الشهر , إلى مسجد القَدَم (3) , فتضرعوا إلى الله تعالى في رفع الطاعون . و خرج الناس من كل فج عميق , حتى أهل الذمة و الأطفال , و انتشروا في الطرقات , و أكثروا التضرع و البكاء , و لم يزدد الأمرُ إلا شِدّة ً, و الموتُ إلا كَثْرةً .
فلما كان في ثاني شهر رجب , بعد الظهر , هبت ريح شديدة , أثارت غبارًا أصفر ثم أحمر ثم أسود , حتى أظلمت الأرض , وبقي الناس نحو ثلاث ساعات , يجأرون إلى الله تعالى و يستغفرونه , حتى انكشف . و رَجَوْا أن يكون ذلك ختام ما هم فيه , فلم ينقص عدد
ــــــــــــــــــ
(1) أراد بالكُبَّة: الأحشاء , تشبيهًا لها بكبَّة الغزل ؛ و هي ما جمع منه ـ انظر اللسان .
(2) في الأصل ثلاثة - لحن .
(3) و هو بظاهر دمشق , و تأتي قداسته من قولهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد وصل تلك المنطقة و وَطِئَها بقدمه الشريفة , و هذا نفسه السبب الذي جعلهم يخرجون إليه دون غيره من المساجد .