الأمر الثالث:
القياس على الخروج من الأرض المستوخمة ، كقصة العُرَنِيِّين .
و الجواب: أن ذلك من باب التداوي ، و ترك ما لا يوافق المريض من الأغذية ، إذ لا فرق بين الأغذية و الأهوية في تأثير المرض ، فكان الخروج من الأرض التي لا توافق مزاج المريض من باب التداوي .
قال القاضي تاج الدين: و عندي في هذا الجواب نظر . قلت: كأن وجهه أن لقائل أن يقول: إن الطاعون أيضًا ينشأ من فساد الأهوية ، فالخروج من البلد ، التي يقع بها ينبغي أن يكون جائزًا مطلقًا ، كما جاز للعرنيين ، و هذا لا يتشّى على ما تقدم تحقيقه أن الطاعون من طعن الجن .
و الحق أن خروج العُرنِيِّين لم يكن لقصد الفرار أصلًا ، و إنما لمحض التداوي ، كما تقدم عن الطحاوي . و كان خروجهم من ضرورة الواقع ، لأن الإبل ما كان يتهيّأ إقامتها في البلد ، و إنما كانت في مراعيها ، و دواؤهم كان بأبوالها و ألبانها و استنشاق تلك الروائح ، فكان الخروج عن البلد ضمنًا (1) / لأمر محقق الوجود ، بخلاف الخروج من البلد الذي يقع فيه الطاعون إلى بلد آخر ؛ فإنه خروج إليه بالقصد لأمر مظنون ، إذ لا يُؤمن وقع الطاعون في البلد الآخر .
و يؤيد الفرق أيضًا ؛ أن من جملة أصول التداوي الرجوع إلى المألوف و العادة ؛ و كان القوم أهل بادية و ريف ، كما وقع صريحًا في بعض طرق خبرهم ، و لم يوافق بلد الحضر أمزجتهم ، فأرشدهم الشارع إلى التداوي بما ألفوه من الكون في البدو .
ــــــــــــ
(1) ف: ضمنيًا .