و نحوت هذا النحو في جوابي ، و أضفت إلى ذلك: أنه لو كان مشروعًا ، ما خفي على السلف ثم على فقهاء الأمصار و أتباعهم ، في الأعصار الماضية . فلم يبلغنا في ذلك خبر و لا أثر عن المحدثين ، و لا فرع مسطور عن أحد من الفقهاء . و ألفاظ الدعاء و صفات الداعي ، لها خواص و أسرار ، يختصّ بها كل حادث بما يليق به . و المعتمد في ذلك الاتّباع ، و لا مدخل للقياس في ذلك .
و مثال ذلك أن ما ورد في التخويف بالكسوفين ، له هيئة تغاير ما ورد في التخويف بالجَدْب ، و ما ورد في النازلة كالقحط و الوباء ـ على [96/أ] رأى من رأى القنوت في ذلك ـ يغاير ما ورد في الكسوف و الاستسقاء . فالذى يأتى بهذا لهذا ، و بهذا لهذا ، يلتحق بمن أحدث في أمر الدين ما ليس منه ، فيُرَدُّ عليه . و قد نصَّ الشافعىُّ رحمه الله ، على أنه لا قُنوت في الاستسقاء ، و هو يؤيّد ما ذكرته ، و الله أعلم .
و هذا من الأسباب الحاملة لي على تبيض هذا الكتاب ، بعد أن كنت جمعت منه أكثر الأحاديث و بعض الكلام عليها ، في سنة تسع عشرة و ثمان مائة ، و كنت امتنعت من الخروج في هذه المرة الأخيرة ، و لا حضرت صحبة الملك المؤيد في تلك المرة ، مع اختصاصي به ، لهذا المعنى الذى أشرت إليه . و قد وقع ما تخيلته من الأمرين معًا في المرة الأولى ، و في المرة الثانية ، و قيل ما قيل ، فلا حول (1) و لا قوة إلا بالله العلي العظيم (2) ..
و أمر بعضُ من ينسب إلى الصلاح السلطانَ الأشرف ، مستندًا
ـــــــــــــــ
(1) قوله ( من الأمرين .. فلا حول ) ليس في ظ ، بسبب اهتراء أسفل الورقة كما أشرنا ، وهو سطر بحاله .
(2) انظر في المقدمة سبب تصنيف الكتاب .