فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 389

حسنًا ، نقله الزركشي في"جزئه"المذكور ، فقال: الذي يترجح عندي ، في الجمع بين النهي عن الفرار من البلد الذي وقع به الطاعون ، و النهي عن القدوم عليه ـ والله أعلم ـ ، أن الإقدام عليه يعرض النفس للبلاء و ما (1) لعلها لا تصبر عليه ، و ربما كان به ضرب من الدعوى لمقام الصبر و التوكل ، فمنع ذلك لاغترار النفس و دعواها ما لا تثبت عليه عند التحقيق . و أما الفرار ، فقد يكون داخلًا في باب التوغل في الأسباب ؛ متصورًا [ من ] (2) يحاول النجاة مما قدر عليه ، فيقع التكلف في القدوم كما يقع التكلف في الفرار ، فأمر بترك التكلف فيهما . و قد لمح الصحابي ما ذكرته في أحد الشقين ، فقال: ( أفرارًا من قدر الله ؟ ) ، و إلى ما قررته يشير قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا تتمنوا لقاء العدوّ ، و إذا لقيتموهم فاصبروا". فأمرهم بترك التمني ؛ لما فيه من التعرض للبلاء و خوف الاغترار بالنفس ، إذ لا يؤمن (3) غدرها عند الوقوع . ثم أمرهم بالصبر عند وقوع تسليمًا لأمر الله تعالى .

و رأيت فيما شرحه الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة من البخاري ، ما ملخصه: قوله:"فلا تَقْدُموا عليه"؛ فيه منع (4) معارضة متضمن الحكمة بالقدر ؛ و هو من مادة قوله تعالى: { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } (5) . و قد قال عيسى عليه الصلاة و السلام: ( المولى يجرّب عبده ، و ليس للعبد أن يجرّب مولاه ) . و قوله:"فلا تخرجوا فرارًا / [ 89 / أ ] منه"؛ فيه إشارة إلى الوقوف مع المقدور و الرضا به . و أيضًا فالبلاء إذا نزل إنما يقصد به أهلُ البقعةِ ، لا البقعةُ نفسُها ، فمن أراد اللهُ تعالى

ــــــــــــــــــ

(1) (ما ) ليست في ف .

(2) من ف ، ظ .

(3) بعدها في ف: من .

(4) ( منع ) ليست في ف .

(5) البقرة: 195 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت