فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 389

هذا الذي يظهر أنه جنح إليه عمر و من وافقه ، قبل أن يبلغهم الحديث المرفوع ، فلما بلغهم جاء مطابقًا لما اختاروه . فلأجل ذلك قال من قال: إنما رجع عمر لأجل حديث عبد الرحمن (1) ، لا لأجل ما قتضاه نظره .

و الحق أنه همّ أن يرجع ، فلما بلغه الخبر استمر عزمه ، كما تقدم تقريره .

و أما الذين خالفوا رأي عمر في / [ 80 / ب ] ذلك ، قبل أن يبلغهم الخبر ، فسلكوا سبيل التوكل المحض ، مع قطع النظر عن الأسباب ؛ و هو مقام شريف يناسب مرتبة خيار الصحابة ، و لهذا كان الكثير من المهاجرين و الأنصار على هذا الرأي ، و لم يجنح إليه أحد من مشايخ قريش ، و إنما وافقهم عمر ـ و إن كان من كبار المهاجرين ـ لأنه غلب عليه النظر في مصالح المسلمين ، و ذلك لا يتم إلا بالنظر في الأسباب و العمل بالراجح منها ، مع اعتقاد أن الأمور كلها بتقدير الله . و قد ورد في ذلك حديث:"اعقلها و توكل"، أخرجه الترمذي و غيره .

ثم ساق الطحاوي من طريق (2) زيد بن أسلم ، عن أبيه قال: قال عمر رضي الله عنه: اللهم إن الناس نحلوني (3) ثلاث خصال ، و أنا أبرأ إليك منهن ؛ زعموا أني فررت من الطاعون ، و أنا أبرأ إليك من ذلك ..

و ذكر الطِّلاءَ و المَكْسَ (4) ، و سنده صحيح . قال: فدل على أن رجوعه كان لغير الفرار ، و كذا كتابه إلى أبي عبيدة ، فيما أمره به من خروجه هو و من معه من الجند ؛ إنما هو بمعنى التداوي بالانتقال من

ـــــــــــــــــ

(1) بعدها في ظ: ابن عوف .

(2) قوله: ( الطحاوي من طريق ) ليس في ف .

(3) ف: أنحلوني ـ كلاهما صواب .

(4) الطِّلاء: القطران و الخمر ، و كل ما يطلى به ، و المقصود الثاني . و المَكْسُ: دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية ، أو دِرهم كان يأخذه المُصَدِّقُ بعد فراغه من الصدقة ـ قاموس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت