و احتجوا برجوع عمر من سَرْغٍ بسبب الطاعون . ثم ساق الحديث في ذلك . فقالوا: قد أمرنا في هذه الآثار أن لا نقدم على الطاعون ، و ذلك للخوف منه ، خشية أن يعدي من دخل عليه .
ثم رد عليهم: بأن الأمر بترك القدوم عليه ، لو كان للخوف منه ، لجاز لأهل الموضع الذي وقع فيه أيضًا الخروج منه ، للعلة المذكورة . فلما منع أهل الموضع الذي وقع فيه الطاعون / [ 80/ أ ] من الخروج منه ، ثبت أن المعنى الذي من أجله مُنعوا من القدوم عليه غير المعنى الذي ذكروا . و هو عندنا ـ و الله أعلم ـ على أن لا يقدم عليه رجل ، فيصيبه بتقدير الله عليه ، فيقول: لولا أني قدمت هذه الأرض لما أصابني . و لعلّه لو أقام في الموضع الذي كان فيه لأصابه ، فأمر أن لا يقدم عليه ، حسمًا للمادة (1) . و كذلك أمر أن يخرج من الأرض التي نزل بها ، لئلا يسلم فيقول: لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها . و لعله لو [ كان ] (2) أقام بها ما أصابه من ذلك شئ ، فأمر بترك القدوم على الطاعون ، للمعنى الذي وصفناه .
قلت: و هذا الذي ذكره الطحاوي بيّن في كلام أبي موسى كما تقدم . لكن المانع عمّم النهي لمن اعتقد ذلك و لمن لم يعتقد حسمًا للمادة ، و المجيز نظر إلى المعنى الذي منع الخروج من أجله ، فخصّ المنع به . و الأول أسعد بالعمل بالحديث .
و الذي يظهر لي أن صنيع عمر رضي الله عنه ، برجوعه من أن يدخل البلد الذي وقع فيه الطاعون ، ليس من الفرار في شئ ، و إنما هو بمنزلة من قصد دخول دار ، فرأى بها حريقًا تعذّر طفْيه (3) ، فعدل عن دخولها لئلا يصيبه ، فهو من باب اجتناب المهالك ، و هو مأمور به .
ــــــــــــــــــ
(1) ف: لمادته .
(2) من ف ، ظ .
(3) ف: طيفه ـ تحريف .