فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 389

و قال البيهقي: وقد ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:"لا عدوى"، و لكنه أراد به على وجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية ، من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى ، و قد جعل ـ بمشيئته ـ مخالطة الصحيح من به شئ من هذه العيوب ، سببًا لحدوث ذلك .. و كل ذلك بتقدير الله تعالى" (1) ."

فالعدوى إذن حاصلة ، ولكنها بتقدير الله ، و هذا أمر ينبغي أن لا يختلف فيها اثنان، و هو الحق الذي يوفّق بين سائر الأدلة ، و لا يغير منه تطور العلم و اكتشاف الجراثيم و البكتريا الناقلة للأمراض شيئًا ، لأن هذه الجراثيم إنما تعمل بتقدير الله ، و الله يسلّطها على من يشاء .

و من واجبنا ـ كمسلمين ـ أن لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة ، و أن نأخذ بالأسباب ، و نتقي بما يحفظنا أصلًا من هذه الأمراض ، من لقاح و تطعيم وكشف صحي و ما شابه ذلك . و أن نعتني بنظافة أفنيتنا ، و نطهرها من الهوامّ والحشرات مما يمكن أن يُنقل المرض عن طريقه . ثم إذا وقع المرض بعد ذلك ، أن نصبر و نحتسب و نتوكل على الله ، و نسلّم بالمقدور ، و نلتمس الدواء ، فإن الله قد جعل لكل داءٍ دواء ، كما سيأتي في كلام الحافظ .

و مما يتفرع على ذلك مسألة"الحجر الصحي"؛ يقول القاضي تاج الدين السبكي:"و الذي نقوله في ذلك: إن شهد طبيبان عارفان مسلمان عدلان ، أن ذلك ـ يعني مخالطة الصحيح للمريض ـ سبب في أذى المخالط ، فالامتناع من مخالطته جائز ، أو أبلغ من ذلك".

ويقول الحافظ ردًا عليه:"لا تقبل شهادة من يشهد ذلك ، لأن الحسَّ يكذّبه ، فهذه الطواعين قد تكرر وجودها في الديار المصرية والشامية ، و قلّ أن يخلوّ بيت منها ، و يوجد من أصيب به من يقوم عليه من أهله و خاصته ، و مخالطتهم له أشد من مخالطة الأجانب قطعًا ، و الكثير منهم بل الأكثر سالم من ذلك . فمن شهد بأن ذلك سبب في أذى المخالط فهو مكابر .. وتاج الدين"

ـــــــــــــــــــ

(1) ق: 84 / ب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت