و يعرض الحافظ لمسألة العدوى بالمناقشة ـ بتفصيل ـ في الفصل الثاني من الباب الرابع ، تحت عنوان:"ذكر ما اعتل به من أجاز الفرار ـ يعني من الطاعون ـ و الجواب عن شبهته"، ثم يعرض لها بإجمال في آخر الفصل الثالث من الباب الخامس ، و يلخص هناك المذاهب التي تحصلت لديه حول العدوى .
و الذي دعانا إلى هذه الوقفة ، ترجيح الحافظ ابن حجر للرأي القائل بنفي العدوى أصلًا (1) و أن ما يتصور أنه تم بطريق العدوى ، إنما هو من خلق الله فيه ابتداءً، غيرُ منتقل من المصاب بالمرض ، و أن هذا الرأي هو الموافق للنصوص الواردة في ذلك ، من مثل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا عدوى و لا طيرة ..."الحديث ، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"لا يُعدى شئ شيئًا"، و قوله ـ لمن أثبت العدوى ـ:"فمن أعدى الأول".
و ورد ـ بالمقال ـ أحاديث يفهم منها إثبات العدوى ، كحديث:"لا يُورد مُمرض على مُصح"، و حديث:"إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تقدموا عليها .."، و حديث:"لا عدوى و لا طيرة و لا هامة و لا صفر ، وفر من المجذوم فرارك من الأسد"، و حديث عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه قال:"كان في وفد ثقيف رجل مجذوم ، فأرسل إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أن قد بايعناك فارجع ) . و غير ذلك من الأحاديث .. وسيتعرض الحافظ لكل هذه الأدلة ."
و هذه النصوص ظاهرها التعارض ، و لكن لا تعارض في حقيقة الأمر ، و قد أدلى العلماء في ذلك بما يزيل هذا التعارض ، فقال ابن الصلاح:"وجه الجمع بينهما أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها ، و لكن الله تبارك و تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضه . ثم قال قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب" (2) .
ـــــــــــــ
(1) انظر ق: 100 / ب .
(2) ق: 84 / أ ـ ب .