الكثرة على ذلك ، مثل ذلك في قوله تعالى: { ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } (1) . و لما كان المقام يقتضي التكثير عُبّر بذلك ، لأن قرينة السياق ترشد إلى المراد ، مع أن أصح الطرق الواردة في ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما:
( أربعة آلاف ) ، و قول السدي: (كانوا بضعة وثلاثين ألفًا) ، وسائر الأقوال - غير هذين - فيها مقال .
و الجمع بين القولين المذكورين ممكن ؛ بأن يحمل العدد الأقل ]على[ (2) رؤسائهم و أشرافهم ، والعدد الأكثر بإنضمام الأتباع إليهم ، و الله سبحانه و تعالى أعلم .
رابعها: اتفقت الروايات كلها ، قويها و ضعيفها ، على أن المراد بـ"الألوف"العدد ، إلا ما أخرجه الطبري ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال في قوله تعالى: { وَهُمْ أُلُوفٌ } ( ليست الفرقة ؛ بل قلوبهم مؤتلفة ، إنما خرجوا فرارًا ) . فاقتضى كلامه أنه جَمْعُ إلْف ، مثل: جلوس و جالس ، و شهود و شاهد . قال الطبري: قول الجماعة أولى بالصواب . و قال الزمخشري: هو من بدع التفاسير .
و قال ابن عطية: القصص في ذلك كلها لينة الأسانيد ، و الحاصل منها (3) وقوع الفرار من الموت ، من قوم أماتهم الله تعالى ثم أحياهم ؛ ] 61/ب[ ليظهر أنه لا يفيد (4) خوف الخائف و لا اغترار المغتر (5) ، انتهى .
و قال القاضي أبو بكر ابن العربي: هذا القول ضعيف ؛ لأن ورود الموت عليهم و هم في كثرة عظيمة ، يفيد مزيد اعتبار (6) بحالهم ؛ لأن
ــــــــــــ
(1) البقرة: 228 .
(2) من ف ، ظ .
(3) ( منها ) ليست في ف .
(4) ف: يفيدهم .
(5) في الأصل: و لا اعتزاز المعتز - تصحيف ، صوابه في ف ، ظ .
(6) ف: مزيد في اعتبار - إفحام ، يترتب عليه لحن .