فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 389

موت جمع عظيم دفعة واحدة لم تجر العادة به ، يفيد وقوعه الاعتبار العظيم . و أما وقوع الموت على قوم بينهم ائتلاف و محبة ، فهو كوروده على قوم بينهم اختلاف ، لأن وجه الاعتبار لا يختلف .

و أجاب الفخر الرازي بأنه: يمكن أن يكون المراد أن كل واحد منهم كان إلْفًا لحياته ، محبًا لهذه الدنيا . فيرجع حاصله إلى ما قاله الله تعال: { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ } (1) ، و أنهم ، مع غاية حبهم للحياة ، وإلْفهم لها ، أماتهم الله تعالى ، ليعلم أن الحرص على الحياة لا يعصم من الممات ، انتهى .

وتعقبه القاضي تاج الدين السبكي ، في"الجزء"الذي جمعه في الطاعون ، بأن إيراد القاضي أبي بكر باق على حاله ، و ليس فيما ذكره الإمام الفخر جواب عنه ، لأنه لا يقع الاعتبار العظيم الخارق للعادة بكون كل واحد منهم إلفًا لحياته محبًا لها ، لأن ذلك موجود في كل ميت ؛ منهم و من غيرهم ، بخلاف موت الطائفة العظيمة دفعة واحدة ، انتهى .

و يظهر لي في جواب إياد القاضي و توجيه قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم توجيهٌ آخر ؛ و هو أن المراد أنهم كان رأيهم اجتمع على الفرار المذكور ، لأنه يجوز في نفس الأمر أن يكون بعضهم كان لا يرى الفرار ، و إنما خرج مع من خرج بغير اختياره مثلًا ، أو لتردده في كون ذلك صوابًا أو خطأً ، فأفاد الوصف بأنهم كانوا تواردوا على هذا /

[62/أ] المعتقد ، فلذلك عوقبوا جميعهم بذلك ، فيفيد الاعتبار بحالهم ، و أنه لا ينبغى المسارعة إلى تقليد الرؤساء في مثل ذلك ، مع أن القائل

ـــــــــــــ

(1) البقرة: 96 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت