و الحمى تتكرر في كل مدة , فتعادلا . ومنها أن ذلك كان مخصوصًا بزمنه - صلى الله عليه وسلم - . ومنها أنها صغيرة ؛ فلو وقع بها الطاعون لفني أهلها .
قلت: ويظهر لي جواب أخصّ من هذه الأجوبة ؛ بعد استحضار الحديث الماضي في الباب الأول ، عن أبي عَسيب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أتاني جبريل بالحمى و الطاعون ، فأمسكت الحمى بالمدينة , وأرسلت الطاعون إلى الشام ..."الحديث. وهو أن الحكمة (1) في ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما دخل المدينة في قلة من أصحابه , عددًا و مددًا , من زاد و غيره , وكانت المدينة وبيئة , كما سبق في حديث عائشة , فناسب الحال الدعاء
بتصحيح المدينة , لتصح (2) أجساد المقيمين بها , ليقووا على جهاد الكفار . وخيِّر - صلى الله عليه وسلم - في أمرين , يحصل لمن أصابه كل منهما عظيم (3) الثواب ؛ و هما الحمى و الطاعون , فاختار حينئذ الحمى بالمدينة , لأن أمرها أخف من أمر الطاعون , لسرعة الموت به غالبا ً . فلما أذن له في القتال , كانت قضية استمرار الحمى ضعف الأجساد التي تحتاج إلى القوة في الجهاد , فدعا حينئذ بنقل الحمى إلى الجحفة , فأجيب دعاؤه , وصارت المدينة أصح (4) بلاد الله تعالى (5) .
فإذا شاء الله موت أحد منهم , حصل له الشهادة التي كانت من الطاعون , بالقتل في سبيل الله الذي هو أعلى درجة . و من فاته ذلك منهم , مات بالحمى التي (6) هي حظ المؤمن من النار , وكل يوم /
منها يكفّر سنة . و استمر ذلك بالمدينة بعده - صلى الله عليه وسلم - , تمييزًا لها عن غيرها من البلاد , تحقيقًا (7) لإجابة دعائه - صلى الله عليه وسلم - .
ـــــــــــــــــ
(1) ف: الحكم - تحريف .
(2) (لتصح) ليست في ف .
(3) ف: عظم - تحريف .
(4) ظ: من أصح .
(5) قوله: (اللهِ تعالى ) ليس في ف .
(6) بعدها في الأصل: الذي - سبق قلم .
(7) ف: تخفيفًا - تصحيف .