و بأنه: لو كان من فساد الهواء ، لعم جميع البدن بمداومة الاستنشاق . والطاعون إنما يحدث في جزء خاص من البدن لا يتعداه لغيره ، فيقتل صاحبه غالبًا .
و بأنه: لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض ، لأن الهواء يصح تارة و يفسد تارة . و الطاعون يأتي على غير قياس و لا تجربة و لا انتظام ، فربما جاء سنة (1) و ربما أبطأ عدة سنين .
وبأن: كل داء بسبب من الأسباب الطبيعية له دواء من الأدوية الطبيعية ، على ما صح به الحديث:"ما أنزل الله (2) داء إلا أنزل له شفاء ، علمه من علمه (3) ، و جهله من جهله". أخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بسند حسن ، و صححه ابن حبان والحاكم ، وله شواهد بعضها في"صحيح مسلم". و هذا الطاعون أعيي الأطباء دواؤه ، حتى سلّم حذاقهم أنه لا دواء له ، و لا دافع له إلا الذي خلقه و قدّره ، والله أعلم (4) .
قال الكلاباذي في"معاني الأخبار"بعد أن ساق قول عمرو بن العاص الآتي في الباب الرابع:"إن هذا الوجع"، و حديث عبد الرحمن بن عوف:"إذا سمعتم الوباء ببلد فلا تقدموا عليه": الوجع و الوباء مرض كسائر الأمراض التي تصيب الناس من الطبائع و غلبة بعض الأمشاج . و إن لم يكن طعنَ إنسان و لا وخز جن (5) ، فيجوز أن يكون الطاعون على ضربين:
ـــــــــــــــ
(1) بعدها في ظ: على سنة .
(2) لفظ الجلالة ليس في ظ .
(3) قوله: ( من علمه ) ليس في ظ .
(4) قوله: ( والله اعلم ) ليس في ظ ، ف .
(5) ( جن ) ليست في ظ.