فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 375

أوقفت هذه المعركة اندفاع قاسم بن جماز، غير أنها أججت الخصومة بين أميري المدينتين الكريمتين وجعلتها إحدى همومها الكبيرة ولم يكن لهذه المدينة أية آثار سلبية مع الأيوبيين، ولم يشعر أهل المدينة أن الملك الكامل الأيوبي سلطان مصر يقف ضدهم، ذلك أن جيشه لم يشارك في المعركة، واكتفى بحماية ينبع، وينبع مهمة لسلطان مصر، لأنها المرفأ الذي تبحر إليه السفن القادمة من عيذاب في مصر، ومركز تجمع قافلة الحج المصرية غالبًا. والراجح أن أمير المدينة قد أدرك هذه المعاني فلم يغير علاقته بالأيوبيين وظل محافظًا على مودة سلاطينهم جميعًا، كما أن الأيوبيين حافظوا على تقديرهم لأمير المدينة ولأهلها، ومما يدل على ذلك أن الملك الكامل سلطان مصر عندما انتصر على الصليبيين في معركة دمياط عام 616 هـ، علم أن أحد الصليبيين كان يسب النبي - صلى الله عليه وسلم - جهارًا نهارًا، فلما أسر هذا الصليبي في المعركة أمر بإرساله إلى أمير المدينة كي يقتل فيها، فلما وصل الأسير إلى المدينة أقيم قريبًا من قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - (فقيل: يا رسول الله هذا عدو الله وعدوك، فتهادته أيدي الناس ضربًا بالسيوف) (1) . وسارت الحياة في المدينة في عهد قاسم بن جماز وسط هاجس الصراع مع قتادة ورجاله، فهزيمة جيش قاسم في موقعة الحميمة لم تشف قتادة القاسي الطموح، وقد نجح قتادة في مد نفوذه إلى الطائف، وحصل على رضا الخليفة العباسي رغم اعتداء رجاله على الحجيج مرات عدة، ولم يعد يشغله شيء عن التوجه إلى المدينة والاستيلاء عليها، وكان قاسم يدرك ذلك ويعمل جهده لتقوية القوة المسلحة للمدينة ولإعداد المؤن والسلاح للموقعة المترقبة، وفي عام 617 هـ وصلت الأخبار بأن قتادة يجهز جيشه للخروج إلى المدينة وأنه جمع جموعًا كثيرة فبدأت المدينة تستعد لمعركة كبيرة، وشاء الله أن تتطور الأحداث لصالح المدينة

(1) وفيات الأعيان 5/ 90 ـ 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت