وعندما تحقق لنور الدين قسم مهم من آماله فوحد معظم بلاد الشام وأنهى الحكم الفاطمي في مصر وأصبحت الحجاز في متناول يده وافاه الأجل، وكأنما قِّدر له أن يستخلف قائده صلاح الدين الأيوبي على هذا الأمر، ويترك له أن يبدأ صفحة جديدة.. سطورها الأولى تقريب أمير المدينة وتقديره، بل (التبرك به) على نحو ما سنراه في صفحات قادمة ومن جهة أخرى فإن ولاء المدينة السياسي كان مرتبطا بالدولة العباسية وكان خطيب المسجد النبوي ـ وكذا خطيب المسجد الحرام ـ يدعو للخليفة العباسي ومن ثم للسلطان السلجوقي ومن بعده للأمير المحلي. ويذكر أبو شامة أن نور الدين (خطب له بالحرمين الشريفين مكة والمدينة) (1) ، ورغم أن هذا التقليد لم يكن وراءه آثار سياسية أو إدارية في المدينة المنورة، فإنه رمز للتقدير المعنوي والولاء السياسي الاسمي، وله مكانه كبيرة في نفوس المسلمين. ولنذكر هنا ما قدمناه عن تنافس العباسيين والفاطميين على هذه الخطبة وما بذلوه في سبيل ذلك من جهود وأموال بل وحملات عسكرية في بعض الحالات (2) .
(1) الروضتين 1/ 229.
(2) انظر ص 33 من هذا البحث والمراجع التي أحال عليها.