تبدو العلاقة بين الزنكيين والمدينة المنورة بسيطة محدودة، عاطفية أكثر منها سياسية واقتصادية. ولئن كان العهد الزنكي يقوم على شخصيتين رئيسيتين فقط هم عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي فإننا لا نجد في مصادرنا أثرا لعماد الدين، فقد شغله بناء كيان كبير موحد قادر على مواجهة الصليبيين، وكان أبعد ما وصل إليه هو أبواب دمشق، واستشهد قبل أن يدخلها في مظلة الزنكيين، اللهم إلا أن تكون عطايا وزيره جمال الدين الأصبهاني صادرة عن رأيه ومشورته، وهذا مالم تذكره المصادر بعد.. والذي نعتقده هو أن العاطفة الإيمانية لدى جمال الدين والصفات الخيّرة التي كانت فيه، والتي جعلته يقوم بأعمال خيرية أخرى في مناطق عدة (1) واستغاثة بعض أهل المدينة، هي الأسباب الرئيسية التي دفعت جمال الدين إلى إرسال الأموال لبناء السور حول المدينة ومساعدة المحتاجين. ولا أدلّ على هذا الجانب العاطفى الإيماني من أنه بنى رباطا قرب المسجد النبوى من جهة الحجرة الشريفة لتكون إحدى غرفه مثوى أخيرا له، وأنه تعاهد مع أسد الدين شيركوه ــ كما تقول بعض الروايات (2) على أن يقوم الذي تتأخر وفاته منهما عن الآخر بنقل جثمانه إلى المدينة ليدفن فيها. وقد تحقق لجمال الدين ذلك. فمات في سجنه وعمل أسد الدين شيركوه على نقل جثمانه إلى المدينة المنورة (3) .
(1) من أعماله التي يذكرها ابن كثير أنه (ساق عينا إلى عرفات، وعمل هناك مصانع(آبار ًا لا ستقاء الماء) ، وبنى مسجد الخيف ودرجه وعمله بالرخام.. ، وبنى جسرا على دجله عند جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص، وبنى الربط (جمع رباط) الكثيرة، وكان يتصدق كل يوم في بابه بمئة دينار ويفتدى من الأسارى في كل سنة بعشرة آلاف دينار.... إلخ)، البداية والنهاية 12/ 267.
(2) البداية والنهاية 12/ 267.
(3) المصدر السابق نفسه.