ويحمل الشعر الذي ينزع منزعًا صوفيًا صورًا رمزية تتكيء على معاني الغزل، وتحدث تداخلًا بين المحبوب الحسي ـ المرأة ـ والذات الإلهية، فيكون الحديث عن حبيبة يعشقها الشاعر ويصف هيامه بها، وقد يصف بعض محاسنها الظاهرة، وهو يقصد بذلك الدلالة على حبه لله سبحانه وتعالى وأحواله وأشواقه، وقد يجنح الشاعر إلى بعض المعاني المشعرة بالحلول والتقمص على نحو ما نجده في شعر ابن العربي، وهذا اللون قليل عند شعراء أهل المدينة وجدت منه شاهدًا واحدًا لشاعر مقدسي جاور في المدينة مدة من الزمن ثم تحول إلى مكة هو إسماعيل بن محمد، يقول فيه (1) :
خذوني منّي وأفردوني وغيبوا
وجودي عنّي في صفاتكم الحسنى
فنائي بقائي فيكم ولديكم
حياتي مماتي واللقا عيشي الأهنا
علمتم مرادي، كل قصدي أنتم
وأن فؤادي نحوكم سادتي حنّا
فمن يستطع صبرًا وقد ذاق وصلكم
ولا سيّما إن كان قد شهد المعنى... إلخ
ومن الواضح أن الشاعر يحمل نفسه على هذه الصياغة فتبدو فيها آثار التكلف في تقطع العبارة إلى جمل صغيرة متلاحقة. والحق أن هذا اللون لم تستسغه نفوس المدنيين فلم يشع فيهم. وبالمقابل نجد شعرًا يتغنى فيه أصحابه بالمدينة، ويذكرون بشيء من النشوة والفخر إقامتهم فيها، ويجدونها نعمة يشكرون الله عليها، وقد تكرر هذا المعنى في شعر بعض المجاورين، وخاصة عند أيمن بن محمد التونسي الذي يقول (2) :
إن عيدًا بطيبة وصلاة
نِعَمٌ ضاق واسع الشكر عنا
كم تمنيتها فنلت التمني
وإذا كان في البقيع ضريحي
فاشهدوا لي بكل خير ويمن
بمصلى الرسول في يوم عيد
فهي بشرى لكل عيد سعيد
آخر العمر من مكان بعيد
وتوسدت طيب ذاك الصعيد
فاشهدوا لي بكل خير ويمن
(1) العقد الثمين 3/ 307
(2) التحفة اللطيفة 1/ 352