وعندما استدعت شجرة الدر توران شاه ليحل محل أبيه في السلطنة ومواجهة الأخطار لم يحسن توران شاه التصرف، فأساء لشجرة الدر، وخطط للقضاء على قادة المماليك وبدأ بإبعاد بعضهم واعتقال بعضهم الآخر. وكان توران ممن يغرق في الملذات والسكر، ورآه بعضهم وهو سكران بالليل يضرب رؤوس الشموع أمامه بالسيف ويقول: هكذا أفعل بالبحرية، ويسمي كل واحد من زعمائهم باسمه فقتلوه بعد حين (1) وسلموا السلطة لشجرة الدر، وهي في الأصل جارية اشتراها الصالح أيوب وأعتقها وتزوجها لما رأى فيها من حكمة وتدبير، فأدارت شؤون الحكم ببراعة وكانت أول امرأة في تاريخ المسلمين تتولى هذا المنصب، فاستفظعه كثيرون، منهم الخليفة العباسي الذي أرسل إلى قادة مصر (إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأخبرونا حتى نسيّر إليكم رجلًا) (2) فقرر المماليك أن تتزوج شجرة الدر من مقدّمهم عز الدين أيبك فتزوجته وتركت له الحكم بعد ثمانين يومًا ظهر فيها حسن سيرتها وغزير عقلها وجودة تدبيرها (3) .
واجه عز الدين أيبك صعوبات جمة، منها محاولة بقية الأيوبيين استعادة السلطنة وطمع عدد من مماليك البحرية الآخرين في السلطة، وإفسادهم في البلاد، وبقايا التهديد الصليبي، فواجهها وتغلب عليها، غير أن زوجته شجرة الدر التي كانت تريد الاستمرار في السلطة من خلاله غضبت منه عندما شعرت أنه يهم بإبعادها، ثم الزواج من أخرى أوعزت لمماليكها فقتلوه سنة 655 هـ (4) ، وما لبثت أن نالت نصيبها من القصاص عندما قتلها مماليك زوجها في العام نفسه (5) ..
(1) السلوك ـ القسم الثاني ـ الجزء الأول 359.
(2) السلوك ـ القسم الثاني ـ الجزء الأول 361.
(3) النجوم الزاهرة 6/ 373.
(4) السلوك ـ القسم الثاني ـ الجزء الأول 403.
(5) السابق 404.