نجح صلاح الدين الأيوبي في توطيد الأمر بمصر وقضى على المنافسين والثائرين، وألغى الخلافة الفاطمية بناء على أمر نور الدين. وتروي بعض المصادر (1) بأن صلاح الدين خشي أن يعزله نور الدين أو ينقله فعمل على توطيد سلطانه وأرسل أخاه توران شاه إلى مملكة النوبة ففتحها ولكنه وجدها فقيرة، فأرسله إلى اليمن، وكانت تعاني من تصارع المتنافسين (2) ، ولكن قبل أن يصلها توفي نور الدين وتغير مجرى الأحداث وانتهت الأمور ـ كما رأينا قبل قليل ـ إلى أن يستلم صلاح الدين الحكم ويوحد مصر والشام ليبني كيانًا كبيرًا يقوم بالمهمة التاريخية التي كانت مقدرة له، مهمة تخليص البلاد الإسلامية من الصليبيين، ويرى بعض الدارسين (3) أن عمل صلاح الدين يتوزع في مرحلتين الأولى من 570 ـ 582هـ وجه فيها جل جهوده نحو توحيد الجبهة الإسلامية، وإدخال القوى الصغيرة المبعثرة في الكيان الكبير الذي يقيمه، والتي كانت لا تتورع عن الاستعانة بالصليبيين ضده، وقد اشتبك خلال هذه المرحلة مع الصليبيين في حروب محدودة، ولكنه صرف جهوده نحو إعداد البلاد لحروب صعبة طويلة، فعمل على تحصينها وبنى الأسوار والقلاع وأنشأ الأسطول لحماية الثغور البحرية. وأدخل نظام المدارس وعممها وجعلها تدّرس المذاهب الأربعة ليقضي على التعصب وعلى آثار الفاطميين العقدية، واهتم بالحجاز وأرسل الأموال لأمرائها والخدم لمسجديها.
(1) الكامل 9/ 118.
(2) الكامل 7/ 122.
(3) الأيوبيون والمماليك في مصر والشام 56.