فَهُوَ يَسْتَعْظِمُهُ مِنْ جِهَةِ سَبَبِهِ لَا مِنْ جِهَةِ مَنْفَعَتِهِ كَالْمَالِ وَالرِّيَاسَةِ وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ كَالْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ؛ فَهَذِهِ الْمَنْفَعَةُ تُنَالُ غَالِبًا بِغَيْرِ الْخَوَارِقِ أَكْثَرُ مِمَّا تُنَالُ بِالْخَوَارِقِ وَلَا يَحْصُلُ بِالْخَوَارِقِ مِنْهَا إلَّا الْقَلِيلُ وَلَا تَدُومُ إلَّا بِأَسْبَابِ أُخْرَى.
وَأَمَّا الْآخَرُ أَيْضًا فَلَا يَحْصُلُ بِالْخَوَارِقِ إلَّا مَعَ الدِّينِ. وَالدِّينُ وَحْدَهُ مُوجِبٌ لِلْآخِرَةِ بِلَا خَارِقٍ بَلْ الْخَوَارِقُ الدِّينِيَّةُ الْكَوْنِيَّةُ أَبْلَغُ مِنْ تَحْصِيلِ الْآخِرَةِ كَحَالِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَذَلِكَ الْمَالُ وَالرِّيَاسَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِأَهْلِ الدِّينِ بِالْخَوَارِقِ إنَّمَا هُوَ مَعَ الدِّينِ وَإِلَّا فَالْخَوَارِقُ وَحْدَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي الدُّنْيَا إلَّا أَثَرًا ضَعِيفًا. فَإِنْ قِيلَ: مُجَرَّدُ الْخَوَارِقِ إنْ لَمْ تَحْصُلْ بِنَفْسِهَا مَنْفَعَةٌ لَا فِي الدِّينِ وَلَا فِي الدُّنْيَا فَهِيَ عَلَامَةُ طَاعَةِ النُّفُوسِ لَهُ فَهُوَ مُوجِبُ الرِّيَاسَةِ وَالسُّلْطَانِ ثُمَّ يَتَوَسَّطُ ذَلِكَ فَتُجْتَلَبُ الْمَنَافِعُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ وَتُدْفَعُ الْمَضَارُّ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ. قُلْت: نَحْنُ لَمْ نَتَكَلَّمْ إلَّا فِي مَنْفَعَةِ الدِّينِ أَوْ الْخَارِقِ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ النَّاسِ. وَأَمَّا إنْ تَكَلَّمْنَا فِيمَا يَحْصُلُ بِسَبَبِهَا مِنْ فِعْلِ النَّاسِ فَنَقُولُ أَوَّلًا: الدِّينُ الصَّحِيحُ أَوْجَبَ لِطَاعَةِ النُّفُوسِ وَحُصُولِ الرِّيَاسَةِ مِنْ الْخَارِقِ الْمُجَرَّدِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فَإِنَّهُ لَا نِسْبَةَ لِطَاعَةِ مَنْ أُطِيعَ لِدِينِهِ إلَى طَاعَةِ مَنْ أُطِيعَ لِتَأْثِيرِهِ إذْ طَاعَةُ الْأَوَّلِ أَعَمُّ وَأَكْثَرُ وَالْمُطِيعُ بِهَا خِيَارُ بَنِي آدَمَ عَقْلًا وَدِينًا وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَا تَدُومُ وَلَا تَكْثُرُ وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا إلَّا جُهَّالُ النَّاسِ كَأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وطليحة الأسدي وَنَحْوِهِمْ وَأَهْلِ الْبَوَادِي وَالْجِبَالِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا دِينَ.
مسألة: ما هي أقسام أهل الكرامات في استعمالهم للخارق؟
مجموع الفتاوى - (ج 10 / ص 499)
الْكَمَالُ فِي الْوِلَايَةِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ خَرْقُ الْعَادَاتِ فِي إقَامَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الشَّرْعِيَّيْنِ مَعَ حُصُولِهِمَا بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ فَإِذَا حَصَلَتْ بِغَيْرِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ فَهِيَ مَذْمُومَةٌ وَإِنْ حَصَلَتْ بِالْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لَكِنْ اُسْتُعْمِلَتْ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إلَى مُحَرَّمٍ كانت مَذْمُومَةً وَإِنْ تَوَصَّلَ بِهَا إلَى مُبَاحٍ لَا يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى طَاعَةٍ كَانَتْ لِلْأَبْرَارِ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ وَأَمَّا إنْ حَصَلَتْ بِالسَّبَبِ الشَّرْعِيِّ وَاسْتُعِينَ بِهَا عَلَى فِعْلِ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ: فَهَذِهِ خَوَارِقُ الْمُقَرَّبِينَ السَّابِقِينَ.
مجموع الفتاوى - (ج 10 / ص 30)
النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى"ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ":
قِسْمٌ تَرْتَفِعُ دَرَجَاتُهُمْ بِخَرْقِ الْعَادَةِ إذَا اسْتَعْمَلُوهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَوْمٌ يَتَعَرَّضُونَ بِهَا لِعَذَابِ اللَّهِ إذَا اسْتَعْمَلُوهَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ كبلعام وَغَيْرِهِ. وَقَوْمٌ تَكُونُ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاحَاتِ.
وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا الْمُتَّبِعُونَ لِنَبِيِّهِمْ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ الَّذِي إنَّمَا كَانَتْ خَوَارِقُهُ لِحُجَّةِ يُقِيمُ بِهَا دِينَ اللَّهِ أَوْ لِحَاجَةِ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ.
مجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 298)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)