فعلى ذلك فلا يستطيع مسلم أن يستقلَّ بفهم الكتاب والسنة بشخصه، بل لابد أن يستعين على فهمهما بالرجوع إلى الأصحاب الكرام الذين تلقوا ذلك عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم مُفسَّرًا مُبيَّنًا تارة بقوله عليه الصلاة والسلام وتارةً بفعله وتارةً بتقريره.
ولعلكم تعلمون جميعًا أنَّ السنة تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة:"قولٌ، وفعلٌ، وتقرير". فإذا ما صرف صارفٌ ما نظره عن هذه السنة وأراد أن يستقل بفهم القرآن مقتصرًا على ذلك باللغة العربية فسوف لا يستطيع أن يصل إلى فَهمِ مراد الله -تبارك وتعالى- من آياته، والدليل على ذلك أن هناك بعض الآيات يتردد فيها لفظ معين؛ كاليد مثلًا في آية التيمم، واليد في آية حدِّ السَّارق ونحو ذلك؛ فتجد الآية تُفسَّر على ضوء ما جاء في السنة، فلا يجوز حينئذ أن يستقل إنسان ما لفهم الآية دون أن يستعين على ذلك بسنة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم بأقسامها الثلاثة التي ذكرتها آنفًا.
فآية -مثلًا-: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ، اليد في اللغة إذا أطلقت فقد يراد: الكف، وقد يراد: الكف والذراع، وقد يراد: ما فوق ذلك إلى المنكب؛ فبأي هذه المعاني يستطيع من لا يعود إلى السنة -التي هي بيان للقرآن -كما ذكرنا آنفًا- أن يفسر مثل هذه الآية؟
ثم كلمة السارق فهي تشمل كل سارق مهما كانت قيمة ما سرق؛ منحطًا وقليلًا ولا قيمة له تذكر، لابد في هذا وفي هذا وفي غير ذلك أن يرجع إلى السنة بأقسامها الثلاثة.
وأوضح مثلٌ معروفٌ عند العلماء هيَ: الصلاة، التي أمرنا بها في القرآن الكريم والحج والصيام والزكاة ونحو ذلك، لا يتسطيع أحد مطلقًا أن يفهم هذه الأركان التي أُمِرنا بها في القرآن إلا على ضوء بيان الرسول عليه السلام لها بقوله، وفعله، وتقريره.
فإذا كان الأمر كذلك فلابد للرجوع إلى السنة مع القرآن؛ لأن السنة تبين القرآن -كما ذكرنا آنفًا في الآية الكريمة-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] .