فأصل هذا الحديث وغايته واضح جدًا؛ وهو: الاعتدال في الخير وفي الشر، في الخير وفي الشر؛ وأكبر دليل على ذلك قوله عليه السَّلام: (( فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) )، في قصة الرهط الذين جاؤوا إلى أزواج النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وسألوهنَّ عن عبادته، عن قيامِه، وصيامه، وإتيانه لنسائه؛ فأخبرنهم بما يعلمن من ذلك من الاعتدال أنَّ الرسول عليه السلام يقوم الليل وينام، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء.
أمَّا أولئك الرَّهط فقد غلوا فتعاهدوا بينهم أحدهم يقول: أنا أقوم الدهر، أقوم وأصوم الدهر فلا أفطر، والآخر يقول: أقوم الليل ولا أنام، والآخر يعيش راهبًا -ولا رهبانية في الإسلام-؛ فقال: لا أتزوج النساء.
فالقصة معروفة؛ إنما الخلاصة أن الرسول عليه السلام قال لهم: (( أَمَّا إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، أَمَّا إِنِّي أَقُومُ اللَّيْلَ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرْ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) ).
هذا هو الاعتدال في العبادة؛ والحبُّ في الله عبادة، والبغض في الله عبادة؛ ولكن لا يجوز المغالاة في ذلك خشية أن ينقلب الأمر إلى نقيضه، ومن جاوز حد الشيء وصل إلى نقيضه ولا شك. هذا هو.
السائل:
كيف يعرف طالب العلم أن الحديث شاذ، مع أن ظاهره السلامة من هذا الشذوذ؟
الشيخ: الطالب لا سبيل له إلى معرفة ذلك.
السائل: العالم يعني المتخصِّص في الحديث، كيف يعرف؟
الشيخ: ايه! عدلت السؤال؛ لكنه -أيضًا- لا يزال فيه اعوجاج! ها! في عندك بيان أكثر مما ذكرت؟
السائل:
هذا السؤال!
الشيخ:
آه! إذا كان متخصِّصًا؛ فهو سيعرف كيف تؤكل الكتف، أما إذا كان طالب علم فسوف لا يعرف؛ حتى يصبح متخصِّصًا في هذا العلم.
طريق المعرفة، طريق معرفة الشَّاذ: تحدثنا -عما أظن- عن قريب- في بعض الجلسات في التفريق بين الحديث الشَّاذ، وزيادة الثقة المقبولة.