الدُّعاة -إذن- كثيرون، ولكن الداعية الحق إنما هو الذي يدعو الناس أن يسيروا على ما كان عليه الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وما اتبع أصحابه؛ ثم من جاؤوا من بعدهم بإحسان، وقد أكد ربُّنا -عزَّ وجلَّ- في الآية الأخرى في القرآن الكريم ما ذُكِر في الآية السَّابقة مع شرح الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام لها في الحديث المذكور آنفًا؛ فقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] .
فإذن السَّبيل دائمًا يذكر في القرآن مفردًا وليس هناك سبل تُتَّبَع، ولو أنَّ السَّالكين على هذه السُّبل والسَّائرين على تلك الطرق كانت مقاصدهم ونواياهم حسنة وإن أُفترِضَ فيهم ذلك فهم لن يصلوا إلى بُغيتهم، ما دام أنهم لم يسلكوا الطريق الوحيد المستقيم الذي يؤدي بهم إلى مقصدهم المشروع.
ولقد جاء في الحديث الصحيح الذي تتفق عليه كل الجماعات والأحزاب الإسلامية فكرًا؛ ولكنهم يختلفون في تطبيقه سلوكًا؛ أعني به قول النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم: (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة؛ قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة ) )هذه هي الرواية المشهورة، وثمَّة رواية أخرى تفسر الأولى؛ وهي قوله عليه السلام: (( هي التي على ما أنا عليه وأصحابي ) ).
فإذن واحدة من ثلاث وسبعين فرقة هيَ الفرقة الناجية -كما صرح بذلك العلماء قاطبة-، وهذه الفرقة الناجية هيَ -فقط- التي تستطيع أن تنهض بالأمة الإسلامية اليوم، وأن تحقق السَّعادة لهم ثم لغيرهم من الأمم الأخرى التي لم تهتدي بهدْيِ الإسلام، ولعل من أسباب ذلك أن المسلمين أنفسهم لم يعودوا -مع الأسف- كما كانوا من قبل- دعاة لأفعالهم وأعمالهم والأقوال وحدها لا تفيد [ .. ] الناس.