فلمَّا ذكر النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم أنَّ الفرقة الناجية هي فرقة واحدة ولكي لا يضل المسلمين عن معرفة وصفها هذا الضلال الذي يلزم منه أن يضلوا عمليًا؛ أجاب عن ذلك السؤال: من هي هذه الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة؟ قال: (( هي التي على ما أنا عليه أنا وأصحابي ) ).
ونلاحظ هنا -بوضوح تام- أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم لم يقتصر في رده على ذاك السؤال على قوله فقط (( التي هي على ما أنا عليه ) )، لم يقتصر ولم يقف في كلامه إلى هنا (( على ما أنا عليه ) )وبس، لا، عطف على ذلك قوله: (( وأصحابي ) )؛ ذلك لأنَّ أصحاب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم هم -كما لا شك ولا إشكال فيه- هم الذين تلقوا الوحيَ من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بقسميه القرآن والسنة غضًا طريًّا، ثم عملوا به وطبقوا أحسن تطبيق؛ ثم نقلوه كما فهموه وكما طبقوه إلى من جاء من بعدهم وهكذا حتى سخر الله -عزَّ وجلَّ- للمسلمين من جمع لهم السنة من بعد ما سخر للأولين من جمع لهم القرآن الكريم بين دفتين؛ وبذلك اجتمع الوحيان المشار إليهما في القرآن في العديد من الآيات؛ كمثل قوله تبارك وتعالى مخاطبًا نبيه عليه الصَّلاة والسَّلام: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ؛ ففي هذه الآية نصٌّ صريحٌ أنَّ بيانَ النبي صلَّى الله عليه وسلم هو شيءٌ زائدٌ عن القرآن وأن القرآن مُبيَّن ببيانه عليه السلام فالْمُبيَنُ شيءٌ والْمُبيِّن شيئًا آخر، شيء زائد عليه، وإن كان لا يخرج عن إنه مُستقىً من مشكاة واحدة -كما جاء النص يصرح بذلك-؛ ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا أُلفين أحدكم متكئًا على أريكته يقول: هذا كتاب الله فما وجدنا فيه حلالًا حللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه؛ ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ) )وفي حديث آخر: (( ألا إنما حرم رسول الله مثلُ ما حرم الله ) ). ذلك لأنَّ الله -عزَّ وجلَّ- كما صرح في الآية السابقة أنزل القرآن على قلب النبي عليه الصلاة والسلام وكلفه أن يبينه للناس، هذا البيان هو السنة.